عادت الفتنة الطائفية لتضرب لبنان مجدداً أمس مخلفة أربعة قتلى و22 جريحاً في منطقة شديدة الحساسية، نظراً لتراكم عقود من الأحقاد بين منطقتي جبل محسن وباب التبانة في مدينة طرابلس كبرى مدن شمال لبنان، بالتزامن مع تصاعد الخلافات بين القوى السياسية اللبنانية، على خلفية الإخفاق في إقرار البيان الوزاري لحكومة الوحدة بعد أسبوعين على تشكيل لجنة صياغة البيان.
وبدت المشاهد التي نقلتها عدسات الكاميرات من مناطق الاشتباك، شديدة التشابه بتلك التي ألفها أهل لبنان خلال الحرب الأهلية التي امتدت طيلة خمسة عشر عاماً، فالقناصون اعتلوا الأبنية من كلا الجانبين، لاصطياد الأعداء ـ الجيران.
فيما لملمت العائلات التي تقع على خطوط التماس احتياجاتها الضرورية وهربت خشية انزلاق الأمور التي لا تزال، بحسب الجيش الذي انتشر في المكان، تحت السيطرة، فيما وجهت نداءات عبر مكبرات الصوت تدعو السكان لعدم التوجه للمساجد لأداء صلاة الجمعة والاستعاضة عنها بالصلاة في المنازل.
وإذا كانت أحداث طرابلس تنبئ بشيء، فإنما تنبئ بمصيبة جديدة قد تحل بلبنان في حال فلتان الأمور باتجاه التصعيد الطائفي، ما يتطلب العمل على وأد الفتنة مباشرة بإنجاز البيان الحكومي، وترحيل القضايا الخلافية بشأن دور سلاح المقاومة والاستراتيجية الدفاعية للبلاد، إلى طاولة الحوار اللبناني التي ستلتئم برئاسة رئيس الجمهورية العماد ميشيل سليمان وبحضور كل الفرقاء اللبنانيين.
وبدون إنجاز البيان الوزاري والدخول في حوار وطني يخرج بتفاهمات تعيد جسر الهوة بين الموالاة والمعارضة، فإن أحداث العنف التي باتت تتكرر بشكل متزامن، وتتنقل في مختلف أنحاء لبنان، قد يغدو من الصعب السيطرة عليها، خصوصاً في ظل انعدام الثقة الذي لا يزال العلامة الأبرز بين الأطراف اللبنانية، رغم ما تم الاتفاق عليه في الدوحة، والذي تم على أساسه انتخاب العماد سليمان رئيساً للبنان وإنجاز التشكيلة الحكومية.
الحكمة تقتضي من كل الأطراف إعلاء المصلحة الوطنية على المصالح الضيقة، طائفية كانت أو حزبية، فشبح الحرب الأهلية لا يزال يطل برأسه، رغم كل التقارير التي تتحدث عن نجاح الهدوء السياسي والأمني في استقطاب أعداد كبيرة من السياح الذين يتدفقون إلى البلاد لتمضية العطلة الصيفية، فهؤلاء سرعان ما سيختفون مع أول إشارة على انزلاق الأمور في اتجاه التصعيد، الذي سيلتهم ما تبقى من أخضر لبنان، وليس فقط من يابسه.
