«المهاجرون بحاجة إلى أوروبا وأوروبا بحاجة إلى المهاجرين»، هكذا قال ذات يوم كوفي عنان الأمين العام السابق لمنظمة الأمم المتحدة أمام البرلمان الأوروبي.
المشكلة هي أن المهاجرين لا يزالون بحاجة إلى أوروبا، أمّا أوروبا فيبدو أنّها قد «سدّت حاجتها» منهم.. بل هي تحاول وضع أعداد كبيرة من مهاجريها «على الباب».
وكترجمة لهذا الواقع ترفع البلدان الأوروبية منذ فترة من الزمن شعار المطالبة بـ «الحد من الهجرة غير الشرعية». هكذا طُرح العديد من الأفكار كان من بين آخرها فكرة «البطاقة الزرقاء» ـ الأزرق هو لون أوروباـ على غرار «البطاقة الخضراء» التي جرى «تعريبها» في وطننا العربي بالـ «غرين كارد» التي يحصل عليها العاملون الأجانب في الولايات المتحدة الأميركية.
مشروع «البطاقة الزرقاء» الأوروبية يرمي إلى تحقيق عدّة أهداف بـ «ضربة واحدة». الحد من الهجرة غير الشرعية أوّلاً، وبرمجة حل مدروس لمواجهة مشكلة الشيخوخة التي تهدد القارة «القديمة» ثانياً، والعمل على توحيد شروط العمل ثالثاً. بعض التقديرات ذهبت إلى حد القول إن أوروبا سوف تحتاج خلال العقد المقبل إلى حوالي 20 مليون مهاجر. وتقول الإحصاءات الرسمية اليوم انه يوجد في أوروبا ثمانية ملايين مهاجر.
في كل الحالات، من المؤكد أن المهاجرين يشكلون اليوم موضوع نقاشات كثيرة في أوروبا. وكانت البلدان الأعضاء في الاتحاد الأوروبي قد بدأت منذ عام 1999 بالبحث عن «سياسة هجرة» منسّقة، ترمي إلى معالجة المسألة من وجهة نظر أوروبية جماعية، مع العمل على توحيد التشريعات بهذا الخصوص.
في مثل هذا السياق يتمثّل أحد الملفات الأساسية أمام الرئاسة الفرنسية للاتحاد الأوروبي، في الوصول إلى ما سمي بـ «الميثاق الأوروبي للهجرة واللجوء». لا شك أن الرئيس ساركوزي يريد أن يجعل من هذا «الميثاق» أحد «نجاحاته الأوروبية». ولكن أيضاً، وربما أساساً، نجاحاً يضيفه إلى رصيده في منظور أية انتخابات فرنسية مقبلة، بما في ذلك الانتخابات الرئاسية.
للإشارة، فترة رئاسة الجمهورية في فرنسا أصبحت خمس سنوات فقط بدلاً من سبع، منذ الفترة الرئاسية الثانية لجاك شيراك. هذا يعني أنه ما أن تنتهي انتخابات رئاسية حتى يتم البدء في التحضير للتي تليها. وكإشارة سريعة أيضاً، فإن «الجسد» الانتخابي الفرنسي «حسّاس جداً» لمسألة الهجرة ويمكن «تعبئته» حولها.
«الميثاق الأوروبي للهجرة واللجوء» بصيغته الحالية، كما أعلنها الوزير الفرنسي المكلّف بهذا الملف أمام وزراء داخلية بلدان الاتحاد الأوروبي ال27 في مدينة «كان» على الشاطئ اللازوردي ـ الكوت دازور «تعريباً أيضاً» ـ يوم 7 يوليو الجاري، تؤكد في مقدمتها على «الورقة الرابحة» التي قد يمثلها المهاجرون لبلدان الاتحاد الأوروبي.
وكان نص الميثاق صريحاً عندما أعلن أنهم «ورقة رابحة» بسبب «الواقع الديمغرافي لهذه البلدان ولسوق العمل فيها». الرئيس السنغالي عبدالله واد كان أكثر «صراحة»، عندما أشار إلى أن مشروع «الاتحاد من أجل المتوسط» يرمي أساساً إلى التعويض عن «الانحسار الديمغرافي ونقص اليد العاملة الأوروبية».
الملفت للانتباه هو أن «المزايدات» على «الميثاق الأوروبي للهجرة واللجوء» لا تأتي غالباً، كما يُتوقع، من المطالبين بـ «تخفيف قسوته» ولكن ممن يتهمونه، بالأحرى، بـ «التساهل» وعدم التركيز على شرح «مخاطر الهجرة».
وفي مقدّمة هذه المخاطر أثرها «السلبي» على الهوية الوطنية للبلدان المعنية بها. ولا يتردد البعض في الحديث عن «الخلخلة الثقافية» الناتجة عن الواقع الديمغرافي الذي يترتب على الهجرة. ما لا يتم قوله بصراحة هو أن المقصود بذلك هو تزايد أعداد المهاجرين المسلمين الذين أصبح لهم وزنهم في صناديق الاقتراع في العديد من البلدان الأوروبية.
ويطرح آخرون مشكلة «اللغة»، ويطالبون بأن يكون الحد الأدنى لقبول المهاجرين هو معرفتهم للغة البلدان التي يقصدونها. وتصبح مسألة اللغة هذه أكثر إلحاحاً إذا كان الأمر يتعلّق بـ «منح الجنسية». وتتردد كثيراً أسئلة من نوع: كيف يمكن أن يصبح فرنسياً أو ألمانياً من لا يستطيع التحدّث بلغة فرنسية أو ألمانية سليمة؟
أمام مجمل ما يطرحه ملف الهجرة الشائك من تحديات وأسئلة، يرى «الميثاق الأوروبي للهجرة واللجوء» أن الحل المطلوب أولاً بأول، هو أن لا تغدو أوروبا «قلعة» ولا «ممراً» يعبر إليه ومنه من يشاء ومتى يشاء، كما عبّر الوزير الفرنسي المختص بملف الهجرة «بريس هورتوفو». ولكن، كيف؟ «الوصفة» المقدّمة هي في أن «تختار» أوروبا مهاجريها، أي في أن تستقدم منهم من هي بحاجة إليهم.
هذا «الحل» يبدو مناسباً و«ذكيّاً»، لولا أنه قد يجد ترجمته واقعياً في زيادة عدد المهاجرين «الشرعيين»، دون تقليل جدّي لعدد أولئك المصنّفين تحت خانة «غير الشرعيين» أو «السريين».
ثم إن القرارات الكثيرة الصادرة حتى الآن باتجاه الحد من الهجرة، لم تمنع قدوم أعداد كبيرة من المهاجرين عبر استخدام مختلف «الثغرات» الموجودة في القوانين النافذة، أو عبر «الثغرات» التي يفتحونها، أحياناً بأجسادهم، في الأسلاك الشائكة.
ولم تمنع تلك القرارات قوارب النقل البحري «السرّي» من الانطلاق من شواطئ جنوب المتوسط نحو شواطئ شماله.. وقد يكون قاع البحر مصيرها ومصير من فيها، لكنها قد تصل. ومهما يكن من أمرها، تدل كل المعلومات أن هذه «السفريات» مستمرّة؛ وما يقلّ أحياناً هو الحديث عنها في وسائل الإعلام.
أحد الشعارات التي ترددها أوروبا اليوم هو «الانفتاح على العالم». ولكن الدول الأوروبية تشدد، حتى درجة «التعجيز» أحياناً، من إجراءات الحصول على تأشيرة دخول ـ فيزا ـ إليها، بما يشبه تكريس «الانغلاق على الذات» وتثبيت صورة أوروبا «القلعة».
أليس التعرّف على الآخر هو السبيل الأفضل للتفاعل الحضاري وللتقريب بين الإرادات؟ هذا ما نادى به على الأقل مفكرو عصر التنوير في أوروبا وما قد يساهم في «انحسار» خيار الهجرة، خاصة إذا ترافق التفاعل الحضاري مع التنمية الاقتصادية. ويبقى موضوع الهجرة في أوروبا جديّاً، ويتم نقاشه بكل جديّة.
كاتب سوري