صدر كتاب قيم تحمل هذه المقالة عنوانه، لأستاذنا الدكتور عبد الرسول علي الموسى (أستاذ الجغرافيا بجامعة الكويت)، الذي نغبطه (وشتان ما بين الغبطة والحسد) على أنه لم يصب سهماً من تلك المناصب الإدارية التي توزعت يمنة ويسرة خلال سني تدريسه، أمدها الله.
ولعل من خصاله أيضاً أنه لم يطّلق البحث العلمي طلاقاً بائناً بعد حصوله على درجة الأستاذية، شأن البعض، بل ما زال عطاؤه مستمراً، ومن ثمرات ذلك العمل الذي بين أيدينا. وهدفه من وضع هذا المؤلف هو «التعرف على دور القوى العاملة الكويتية في التنمية والتحديات التي تواجهها وفي مقدمتها مع نفسها». بمعنى آخر، يريد استيضاح العوامل الذاتية التي تعيق التنمية المتعلقة بطاقة العمل الكويتية.
ويعترف الموسى ابتداءً بأن ما يحرك الإنسان هو مصالحة الشخصية والأنانية، غير أنه لا يطور تلك المسلمة حينما يتوفر على استعراض بعض الآراء في التنمية، من قبيل أن التنمية هي «التغير في الذهنية الاجتماعية لشعب»، أو ذلك الرأي الذي يقول إن التنمية هي «تحقيق حرية أبناء المجتمع» أو «توسيع الخيارات» وغيرها.
بيد أنه يعتقد جازماً أن التنمية لا تحدث إلا بـ «وجود مجموعة من النخب تؤمن بها سواء على مستوى التخطيط أو التنفيذ»، وتكون «عامرة نفوسهم بروح الإقدام ومستعدين بصورة جازمة لركوب المخاطر»، كما يقتبس من أحد المصادر. ولعله بتركيزه على دور النخبة المحوري، يضمر ما يريد أن يقوله لا حقاً حول نخبتنا المحلية.
النخبة إذن هي التي تقود عملية التنمية، وهنا بيت الداء أو «مربط الفرس»!! وثمة صراع بين هذه النخبة على مستويين: الأول بين الكويتيين والوافدين، والثاني بين الكويتيين بعضهم مع بعض. فـ «الإنسان الكويتي ـ يقول أستاذنا عبد الرسول الموسى ـ يعيش تنافساً شديداً مع العمالة الأجنبية»، وهذه المنافسة «تكمن في المهن الفنية والعالية المستوى تعليماً، مثل الأطباء والمهندسين والمدرسين...».
إذ «ينقل كثير من هذه المجموعة مشاكلهم ومنافساتهم إلى مؤسسات العمل، ويشكل هذا عاملاً سلبياً، إذ أنه في نهاية المطاف يشكل ثغرة في جدار التنمية في الكويت»! ويواصل الموسى توضيح فكرته تلك (ونحن نختصر لنصل إلى زبدة رأيه).
حيث يقول: «فمن متطلبات التنمية سيادة الاستقرار وتأطير التنافس بالكفاءة والمهارة، في بيئة إدارية تعتمد معايير التنمية. لكن حافز البقاء بالنسبة للقوى العاملة الأجنبية في المستويات العالية.. لا يجعل قيم العمل والإنتاج في الصفوف المتقدمة من أولوياتها». إن نزعة البقاء والبحث عن المصالح الشخصية ـ كما يجزم أستاذنا الفاضل ـ «بيئة خصبة لبذر الفساد»!
ومع احترامنا لآراء أستاذنا، فإننا نستميحه العذر في الاختلاف معه، فلو كان الحديث عن ستينيات القرن الماضي لربما كان في رأيه من الوجاهة الشيء الكثير، بيد أن الحديث عن الأيام الحالية التي تعايشها الكويت، حيث ان معظم المناصب الإدارية الرفيعة التي «تحل وتربط» في يد أبناء البلد. وإيراده لجدول يبين قوة العمل حسب المهنة لا يغير من الأمر شيئاً، إذ كان المفروض به أن يأتي بجدول آخر يبين فيه توزيع المناصب العليا حسب الجنسية، ليكتشف أنه يندر أن يكون أحد الوافدين من بينهم!
وفي المستوى الثاني من الصراع يضع الدكتور عبد الرسول الموسى إصبعه على «الجرح الحقيقي»، حيث يذهب إلى وصفه بـ «الاحتراب بين الكويتيين» الذي يعيق تفعيل إنتاجية العمالة الوطنية التي يعمل سوادها الأعظم في الجهاز الحكومي، «لأنه يخلق تنافساً لا يكون مبنياً على محك الكفاءة والإبداع»، بل على «نجاح قوى الضغط في دفع فرد إلى الخلف ودفع آخر إلى الأمام».
وقوى الضغط تلك تتمثل في حزب «الرَّبع» أو «الشلة» الذين باستطاعتهم توزيع «المغانم» وفرض «المغارم»، والذين عادة ما ينتمون إلى ديوانية بعينها، ويكون رائدهم تحقيق المصالح الشخصية عن طريق «الواسطة»، وهم بنظر المؤلف يمثلون سياجاً قوياً ضد تحقيق مصالح المجتمع والمنفعة العامة.
رغم نزعة أستاذنا عبد الرسول الموسى التشاؤمية، فإن باب الأمل والرجاء يظل مفتوحاً عنده، فـ «قفص التنمية» الذي أغلقه «فساد النخبة» سيفتحه تطور التعليم، الذي سيملأ الكويت نماءً وخيراً بعد أن ملئت تخلفاً وفساداً!!
كاتب كويتي
د. محمد حسين اليوسفي