لا ينبغي أن يكون مثار استغراب أن سوريا هي المستفيد الخارجي الأكبر من حلول المناخ الوفاقي الراهن في المشهد اللبناني.
تاريخياً، كانت سوريا ولبنان بلداً واحداً وشعباً واحداً، بحكم وشائج عدة ومتعددة ليس أقلها شأنا امتدادات الأنساب بين العائلات هنا وهناك. أما على المستوى المصيري فإن حقائق الجغرافيا والتاريخ تفرض عليهما ضرورة التوحد في مواجهة الوجود الإسرائيلي العدواني الذي يبقى أكبر تهديد للأمن الوطني لكل منهما.
المناخ الوفاقي الجديد الذي حلّ في الساحة السياسية اللبنانية، تبلور بعد ثلاث سنوات من التوتر الداخلي بين الفرقاء اللبنانيين، الذي بلغ ذروة خطيرة عندما اضطرت دمشق في عام 2005 وتحت وطأة ضغوط أميركية قوية إلى سحب قواتها العسكرية المرابطة على الأراضي اللبنانية.
والآن، وبموجب هذا المناخ الجديد تبدو على الأفق مؤشرات بأن النظام السوري أخذ يستعيد نفوذه الطبيعي في الساحة اللبنانية. ومن أبرز هذه المؤشرات الزيارة الرسمية المرتقبة التي سيقوم بها الرئيس اللبناني الجديد ميشال سليمان إلى سوريا قريباً، تجاوباً مع دعوة رسمية من الرئيس السوري بشار الأسد.
وليس من العسير التكهن على نحو دقيق بأنه سيكون من أبرز نتائج الزيارة أن يوافق النظام السوري أخيراً على إقامة علاقات دبلوماسية على مستوى سفارة مع لبنان.
لقد ظلت سوريا ترفض من حيث المبدأ إنشاء مثل هذه العلاقة الرسمية، انطلاقاً من عقيدة سياسية راسخة بأن سوريا ولبنان بلد واحد وليسا دولتين مستقلتين عن بعضهما بعضا، الأمر الذي استغله خصوم سوريا في الداخل اللبناني لاتهام دمشق بأنها تضمر نوايا استعمارية تجاه لبنان.
وبينما سيؤدي قيام العلاقة الدبلوماسية الرسمية إلى إسكات صوت القوى اللبنانية المناهضة لسوريا، فإن هذه الخطوة لن تكون في حقيقة الأمر سوى قيمة رمزية. فالنفوذ الطبيعي الذي تتمتع به سوريا في لبنان يتجاوز الوجود العسكري والدبلوماسي الرسمي ليشمل تشابكاً اقتصادياً وثقافياً واجتماعياً بين شعبي البلدين، بالإضافة طبعاً إلى تحالف دمشق مع قوى سياسية لبنانية ذات بأس، بما في ذلك تنظيمات مسيحية.
قد يبدو لنا الوفاق اللبناني وكأنه كان مقدمة ضرورية لعودة النفوذ السوري في لبنان، لكن هذا النفوذ كان ولا يزال حاضراً دائماً على نحو أو آخر.