العملية الواسعة النطاق التي يستعد نحو‏30‏ ألفا من عناصر الجيش والشرطة العراقية لتنفيذها في الأول من أغسطس في محافظة ديالي ضد المتمردين وعناصر القاعدة‏,‏ تطرح الوضع الأمني المتدهور برمته في ذلك البلد العربي منذ الاحتلال مرة أخري للنقاش‏.‏

إذ بعد خمس سنوات من الغزو الأميركي لم يتحقق الأمن‏,‏ ومازالت عناصر القاعدة‏,‏ التي تدفقت علي العراق من الخارج عقب القوات الأميركية تعبث في ذلك البلد تزيده فوضي تضاف إلي ذلك الدمار واسع المدي الذي أصاب البنية الأساسية والشعب العراقي‏,‏ والذي دفع به إلي التخلف علي الأقل مائة عام‏,‏ لتنسف بذلك كل أسس الدولة الحديثة ومعالمها في ذلك البلد‏.‏

الغزو الأميركي لم يجلب الأمن‏,‏ ولم يحقق الديمقراطية‏,‏ ولم يؤد إلي اكتشاف أسلحة دمار شامل‏,‏ وأدي إلي وجود مكثف للقوات الأمريكية في منابع النفط‏,‏ وأسس أكبر قاعدة عسكرية أمريكية في العالم خارج الولايات المتحدة‏,‏ وهي قاعدة العيديد في قطر‏,‏ التي تنطلق منها الطائرات الأميركية لإحكام السيطرة علي منابع النفط‏,‏ ولضرب وتدمير الكباري والجسور والمدن العراقية‏,‏ في الوقت الذي تبث بجوار قاعدة العيديد‏,‏ وعلي بعد أمتار منها‏,‏ محطة تليفزيونية تتحدث عن حالة الديمقراطية وحقوق الإنسان في العالم العربي‏.‏

لقد دخل احتلال العراق في مناظرة واسعة بين المرشحين الديمقراطي والجمهوري للرئاسة الأميركية‏..‏ أوباما يعد بتحديد جدول زمني لسحب القوات الأميركية مع ترك وجود عسكري في نقاط محددة‏,‏ وماكين لايريد أن يلتزم بجدول زمني‏,‏ ويري أن ذلك سوف يؤثر علي أداء القوات الأمريكية في العراق‏.‏

سنوات خمس لم تحقق الأمن‏,‏ ولم تقض علي الفوضي‏,‏ ولم تطرد فلول القاعدة من بلاد الرافدين‏,‏ وها هي عناصر الجيش والشرطة‏,‏ برعاية أميركية‏,‏ تسعي إلي شن حملتها اعتبارا من أول أغسطس ضد المتمردين‏,‏ ودعاة الإرهاب‏.‏

ما حدث في العراق من اختلال أمني لا يعني المصالح الأمريكية من قريب أو من بعيد‏,‏ المصالح الأميركية عبرت عنها الاستراتيجية الأمريكية في العالم منذ كيسنجر ومن قبله‏,‏ وهي استراتيجية راسخة وطويلة المدي لا تتغير بتغير الرؤساء‏,‏ ولا تتغير بتغير الأحزاب التي تحكم الولايات المتحدة‏,‏ وفي القلب منها السيطرة علي منابع النفط في الخليج‏,‏ مع عدم التضحية بالاحتياطي الأمريكي ومخزون النفط المحلي بأي شكل من الأشكال‏,‏ حتي لو حدث ذلك الصدام المروع بين بيلوسي رئيسة مجلس النواب الأمريكي‏,‏ والرئيس جورج بوش‏,‏ والذي أدي إلي تلاش واضح بين الطرفين‏,‏ أو بمعني أدق أدي إلي استخدام السيدة بيلوسي ألفاظا جارحة ضد الرئيس‏.‏

واشنطن حققت أحد أهدافها الاستراتيجية بالغة الأهمية بوجودها العسكري في العراق‏,‏ أما الحديث عن معاناة الشعوب‏,‏ ووقوع مئات الآلاف من الضحايا بين المدنيين والأبرياء‏,‏ أو حتي مقتل أكثر من‏4‏ آلاف جندي أمريكي في العراق‏,‏ فيأتي في إطار الخسائر المحسوبة والمتوقعة‏.‏

الخلاصة أن تحقيق الأمن في العراق لن يتم إلا بإنهاء الاحتلال الأمريكي‏,‏ وخروج القوات الأمريكية من ذلك البلد العربي‏,‏ وحدوث إجماع بين القوي الوطنية عن طريق حكم العراق بطريقة ديمقراطية‏,‏ بدون ذلك لن يتحقق الأمن في العراق‏.‏

الإرهاب والاحتلال في سلة واحدة‏.‏