ربما كان المراد إظهار الحدث وكأنه صدفة أن يتزامن إعلان اعتقال المجرم الصربي الهارب رادوفان كارجيتش مع توجيه المحكمة الجنائية الدولية اتهامها للرئيس السوداني عمر حسن البشير، وربما لم يكن كذلك، أي أن الأمر محسوب بدقة لدفع اتهام الغرب بازدواجية المعايير التي كثيرا ما مارسها تجاه العرب والمسلمين.

فالرسالة واضحة وهي أن "يد العدالة" لم تفرق بين أوروبي وإفريقي، كما لم تميز بين مسلم ومسيحي، لكن الخطأ هو في المقارنة بحد ذاتها، إذ لا مجال لمساواة رئيس دولة مستقلة ذات سيادة وعضو في الأمم المتحدة، بزعيم ميليشيا تحركها أحقاد دينية وعرقية وتاريخية.

رادوفان كراجيتش مجرم حرب ارتبط اسمه بجرائم مروعة، عانى من ويلاتها البوسنيون، وكان من الطبيعي أن يلقى جزاءه، فاختفاؤه أو إخفاؤه حَرَمَ صربيا من الاندماج في الفضاء الأوروبي الجديد، وجعلها شبه منبوذة أمام الامتيازات التي يغري بها الاتحاد الأوروبي دول أوروبا الشرقية، التي كانت تسبح في الفلك السوفيتي، مما جعل مواطنيه الصرب أنفسهم يرون فيه سبب معاناتهم، وكيف أن عدم اعتقاله أضعف موقفهم في مسألة كوسوفو، وهكذا كان لا بد من وضع حد لهذا الهروب المزعج، الذي لم يفد أحدا سوى كاراجيتش الهارب.

لذا فأية قراءة تحاول الربط بين إعلان القبض عليه وتوجيه الاتهام للرئيس السوداني ستكون سابقة غير مأمونة العواقب، إذ لا يجوز مساواة رئيس دولة منتخب بزعيم متطرف لعصابة مجرمة، فهذا إن حدث مستقبلا سيجعل من زعماء العصابات أصحاب قضايا مشروعة، حتى وإن كانت أيديهم ملطخة بدماء الأبرياء مثل يدي كاراجيتش.

كما أن الإطار القانوني الذي سيحاكم فيه رادوفان كاراجيتش موجود وقائم وهو محكمة الجزاء الدولية، الخاصة بجرائم الحرب في يوغوسلافيا السابقة، التي حاكمت مجرمين سابقين تورطوا في جرائم البوسنة والهرسك، أما مسألة دارفور فلا زالت في إطارها الداخلي، وبالكاد خرجت إلى الإطار الإقليمي، ولو كانت هناك جهود دولية مخلصة لتم احتواء الأزمة، ولما كانت ضرورة لاتهام رئيس دولة عضو في الأمم المتحدة.