هناك من يحاول، عن سوء نية بالتأكيد، تسويق أفكار مفادها أن إدارة بوش تتجه في الأشهر الأخيرة المتبقية لها في البيت الأبيض نحو تغيير سياساتها تجاه المنطقة، والابتعاد عن نهج العسكرة، وإعطاء الواقعية والحوار فرصتهما على صعيد معالجة المشاكل والقضايا العالقة.
هكذا يصوّر بعضهم السياسة الأميركية في هذه الفترة، وبعد كل ما أحدثته من كوارث للمنطقة وأهلها، ولكن هل هناك فعلاً ما يشير إلى أن إدارة بوش تنوي تصويب مواقفها، والاعتراف بما اقترفته من أفعال؟
الواقع يشير إلى النقيض تماماً، فإدارة بوش، وخلافاً لما اتبعته إدارات أميركية سابقة، وعلى عكس الطبيعة وكل شرائع السماء والأرض، مستمرة في العناد والتمادي، وتجاهل ما حولها وما تحتها وما فوقها، ومتمسكة في الآن ذاته بسياسات ومواقف لا يمكن لعقل سليم أن يقبلها، خصوصاً عندما يكون الحديث عن الحرب على العراق، وما نجم عنها من كوارث.
وقد بلغ الأمر بهذه الإدارة أنها باتت تعتقد أن لا أحد يقول الحقيقة سواها، وذلك على الرغم من أن هناك أشخاصاً كانوا فاعلين فيها ومتعصبين لسياساتها قد تراجعوا، واعتذروا، ونبهوا بصوت عال من خطورة هذا الذي يحدث أميركياً ليس في المنطقة فحسب بل على الساحة العالمية أيضاً، حتى إن بعضهم قال: إن إدارة بوش تجر العالم إلى مآس لا أحد يعرف عواقبها.
وأكثر من ذلك، وتمادياً في الجنون والتهور السياسي، فرأس هذه الإدارة يظن أنه معصوم عن الخطأ لأنه يعمل بوحي من السماء، وأنه يناجي الرب صباح مساء، ويجيبه محدداً له خريطة طريق لأفعاله، ولا ندري في هذا المجال إذا ما كان الرب أوحى إليه بقتل أكثر من مليون عراقي نصفهم تقريباً من الأطفال؟
لا أيها المسوقون الصغار فإدارة بوش لا تنوي تغيير سياساتها في المنطقة، وهي منغمسة في المزيد من مخططات القتل والتخريب، ومندفعة باتجاه إسرائيل أكثر من السابق، وهذا هو سبب البلاء.
الرئيس بوش ما زال يرى أنه يجب عليه تسخير قوة دولته العظمى لخدمة إسرائيل أولاً، لذلك لم يجد ما يمنع من تدمير العراق وقتل مليون من أبنائه ما دام هذا الأمر يبهج إسرائيل، ولن يجد ما يمنع من الاستمرار في هذا النهج حتى آخر ساعة مادام يتصور نفسه أنه يناجي الربّ ويجيبه، ما يعني أنه غير مقتنع بأن عصر النبوة قد ولىّ.
