وقعت أول امس الحادثة الثانية التي يقوم فيها سائق جرافة من القدس الشرقية بصدم عدد من المركبات الاسرائيلية في القدس الغربية وكانت النتيجة اصابة عدد من ركابها بجروح وحالات من الهلع وفقا للرواية الاسرائيلية وبالتالي فان حادثة الجرافة الثانية كانت اقل من حيث عدد الاصابات من الحادثة الاولى وبادىء ذي بدء فان اي عنف يستهدف المدنيين من فلسطينيين واسرائيليين هو عمل مدان اذا ثبت من التحقيق انه من اعمال العنف.
ومن السابق لاوانه وصف الحادثة على الفور وبالطريقة المتسرعة التي تنتهجها وسائل الاعلام عامة حتى قبل ان يكتمل التحقيق في ظروفها وملابساتها: فقد تكون من اعمال العنف او مجرد حادثة عادية تحولت الى نوع من المطاردة بسبب عوامل الخوف او الغضب او سوء الفهم من هذا الطرف او ذاك وغني عن البيان ان سائقي السيارات والمارة في القدس الغربية تستحوذ عليهم حادثة الجرافة الاولى وربما يظنون من باب التعميم ان كل الجرافات وسائقيها لديهم دوافع لمهاجمة السيارات الاسرائيلية بمن فيها من السائقين والركاب.
والغريب والمستهجن في آن معا ان تصدر احكام تعميمية انطلاقا من هذه الحوادث التي لم يكتمل التحقيق فيها لان الرجلين اللذين قادا الجرافتين لقيا حتفهما وذهب او سيذهب سر الحادثتين ودوافعهما معهما الى القبر وكان الاجدى لمسار التحقيق لو قبض عليهما وهما على قيد الحياة لاستجوابهما.
وتشف ملابسات الحادثتين وما تكمن وراءهما من دوافع فهناك امكانية بان العنف غير المبرر قد لا يكون الدافع اليهما علما بان الرجلين كانا يعملان من اجل اعالة عائلتيهما.
وتتوسع هذه الاحكام المسبقة لتشمل ليس فقط عائلات السائقين والبلدات التي ينتميان اليها بل كذلك كل سكان القدس الشرقية العرب حيث تكال لهم التهم وتلصق بهم شتى النعوت والالقاب السلبية ويتنادى اليمينيون والمتطرفون للمطالبة بتضييق الظروف الحياتية وهدم المنازل ونزع هذا الحق او ذلك منهم.
اما الحقيقة فان المقدسيين الفلسطينيين اختاروا ما اختاره الشعب الفلسطيني كله وهو السلام العادل الذي يعيد الحقوق الفلسطينية من خلال المفاوضات السلمية والمبادرات الدولية الا ان الجانب الاسرائيلي هو الذي افرغ المفاوضات من محتواها ومعناها وما يزال يواصل ممارساته الاستيطانية متجاهلا ان القدس هي جزء لا يتجزأ من الاراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 وتنطبق عليها كل قرارات الشرعية الدولية التي نصت على مقايضة الارض بالسلام وعدم جواز احتلال اراضي الغير بالقوة.
ويتعين على الاعلام والمصادر الرسمية في اسرائيل انتظار استكمال التحقيق في كل حادثة بمفردها وتفادي التعميمات والاحكام المسبقة الجزائية لان الفلسطينيين لم يفعلوا ذلك في العديد من حوادث الارهاب اليهودي ضدهم كما وقع مع باروخ غولدشتاين الذي اعتبر الفلسطينيون هجومه حالة منفردة رغم انه اقدم على قتل ما يقارب ثلاثين فلسطينيا في الحرم الابراهيمي بالخليل عام 1994 - هذا على سبيل المثال.
فالعنف الذي يستهدف المدنيين من الجانبين مدان بكل تأكيد الا ان التسرع واطلاق الاحكام وتعميمها على عشرات الآلاف من الفلسطينيين هو الخطر الاكبر الذي يهدد كل فرص السلام والتعايش وتحقيق العدالة لصالح الفلسطينيين والاسرائيليين.
