تابع العديد من المشاهدين والمراقبين عبر عدسات المصورين، كل لحظة من لحظات عودة وتبادل الجثامين والأسرى الخمسة على ضفتي الحدود اللبنانية والإسرائيلية، ومن ثم تواصلت الطقوس إلى قلب العاصمتين، حيث انتظرت الحشود في الجانب اللبناني عودة رفات العرب واللبنانيين الذين قتلوا في ظروف ومواقيت مختلفة.
فبدت أجواء لبنان مفعمة بالفرح والزهو بتلك العودة، حتى وإن كانوا ذاهبين من تراب إلى تراب، وكأنها تستقبل أبطالاً عائدين من ساحة النصر في الزمن والتقاليد الإغريقية، إذ تشكل رمزية عودة الجثمان إلى الأهل حالة من الراحة والفخر والسعادة والتقديس، لكون شهيدهم سينام بين أحضان الوطن وترابه وبين قلب العائلة والوطن وبصلاة وتلاوات دينية.
أما إسرائيل التي استلمت أيضا جثمان جنديين، فلم تعكس فرحتها بالقدر الذي وجدناه كبيراً واحتفالياً في الجانب اللبناني، إذ بدت إسرائيل كئيبة، ليس لعودة الجنديين وهما ملتفين في علم بلادهما وأنهما أيضا سيكونان بالقدر ذاته بين الأقرباء، غير أنهما لم يجعلا من ذلك الحدث فعلا سعيدا وحالة من الفرح.
إذ يبدو أن ثقافة التأبين واستقبال الموتى من ساحة المعركة لا تشكل لهما وضعا مريحا لكونه كان للداخل الإسرائيلي باهظ الثمن، فيما راحت لبنان عن بكرة أبيها تتلفع أعلام ملونة، وتنثر النساء الأرز وتزغرد كيوم عرس، وتتصاعد الهتافات والأغاني وترتفع الرايات وتزدحم الأسطح والشرفات والنوافذ، وتغرق الطرقات ازدحاما بجموع الشعب اللبناني الذي خرج عن بكرة أبيه فرحا. فقد كان الحدث انتصاراً لكل الشعب اللبناني، بعد أن تحول إلى مناخ جديد معبر عن حقيقة اللحظة اللبنانية المتطلعة للوحدة الوطنية.
دون شك أن التفاوض على تبادل ذلك العدد من الأسرى والرفات مقابل رفات الجنديين الإسرائيليين، يعكس قدرة ونجاح حزب الله ونفسه الطويل في إدارة عملية التفاوض بحكمة وهدوء، خلف تلك الكواليس السياسية مع الطرف الألماني الوسيط، وعلى مدار شهور طويلة وبمنتهى الكتمان والسرية.
لقد برهن حزب الله أنه إلى جانب كونه حزبا مقاتلا، فإنه قادر على التعامل السياسي مع خصمه بشكل دبلوماسي، محافظا على كل صيغ الصراع والحوار وتنوعه، ممسكا باللعبة، فيما راحت سوريا على مسار آخر مع إسرائيل من جهة أخرى لترتيب الوضع في تفاوض جديد من خلال الوسيط التركي، بهدف حل كل الخلافات العالقة منذ حرب حزيران، مما يجعلنا نقتنع بأن المسار اللبناني وعودة الرفات وإطلاق الأسرى، يصب في الاتجاه نفسه. فالأطراف جميعها باتت مقتنعة بأن التسوية السلمية للصراع هي الطريق النهائي والخيار الممكن لسلام الشرق الأوسط.
وفي الوقت الذي كانت تركيا تقارب المسافة بين سوريا وإسرائيل عبر حوار متكافئ وبلا شروط مسبقة، كانت تركيا في الضفاف الأخرى تلعب دورا آخر بين إيران والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، لحل الملف النووي المعقد، وكأنما الأطراف الرئيسية في الصراع صارت مقتنعة بشكل جدي أن الحوار السياسي وحده الطريق الأفضل لمعالجة كل الملفات العالقة.
ونتيجة لحزمة كاملة من الحوافز ولأطراف عدة، حلفاء ووسطاء ومتصارعين، فإن المقترحات والأفكار التي تم تبادلها عززت من حالة الثقة وفتحت أبواب التقارب والتخلي عن روح التوتر والتصعيد، خاصة وأن الجانبين الإيراني والأميركي متى ما وصلا إلى حلول مرضية بصدد الملف النووي الإيراني في جنيف هذا الأسبوع.
فإن الطرف الإسرائيلي سيجد نفسه أقل عدائية وتصعيدا وتوترا تجاه الجمهورية الإيرانية، متى ما تم نزع فتيل الملف النووي العسكري وتمت إزاحة فوبيا الصواريخ الإيرانية، سواء الموجودة في لبنان القريب أو في الجمهورية الإيرانية نفسها.
وتعبيرا عن مناخ ودي جديد بين الولايات المتحدة وإيران، فإن جسورا جديدة بدأت تفتح طريقا للعلاقات المتوترة، كفتح مكاتب وخط طيران مباشر ورحلات متبادلة، كخطوة أولى على طريق التطبيع بين الطرفين، وكأنما هذا المؤشر الجديد لتحسن العلاقات يؤكد على تحولات جديدة في مسار التفاوض حول مستقبل الملف النووي الإيراني السلمي.
وقد برز هذه المرة دور الجانب التركي كوسيط بارز بين إسرائيل وسوريا وبين الولايات المتحدة وإيران، مما يعني أن المسافة بين إيران وإسرائيل ممكنة إذا ما تم إنهاء الصراع العربي الإسرائيلي، على المسارين اللبناني والسوري ومن ثم الفلسطيني، إذ يبدو أن الدول وأطراف النزاع في المنطقة قد توصلوا إلى قناعات جديدة، مفادها أن طريق الصراع والعنف في المنطقة ليس مجديا ولن يقودها إلا إلى التدمير وتعطل التنمية، بينما السلام رهان جديد يحمل في طياته آفاقا مختلفة وبروح من التفاؤل التاريخي.
إن تبادل الأسرى والجثامين يبعث برسالة أن السلام ممكن في منطقة مثلث الصراع، فيما يتم اللقاء جنيف المباشر بين إيران والولايات المتحدة وبحضور أوروبي، كفرصة تاريخية هامة لإنهاء أزمة الملف النووي من جهة، مثلما تنهي أزمة احتلال مزارع شبعا والجولان كموضوع طال أمده، حيث يشكل على الدوام برميل توتر بين دول الجوار، وينهي بشكل نهائي خطاب القوة والتدمير والخوف والكراهية وانتظار الحرب والعدوان المستمر على حساب الإنسان والتنمية في الشرق الأوسط، الباحث عن حالة الاستقرار الغائبة والممكنة، إذا ما تقاسم الجميع رغبة العيش المشترك بأمان وسلام.
وبهذه الترتيبات الجديدة هل اقتنعت الولايات المتحدة وإسرائيل أن إشعال الحروب في المنطقة لا يعني إمكانية الاحتماء من لهيبها الحارق؟ فالدرس العراقي واللبناني والفلسطيني تعبير واضح لحالة عدم الاستقرار في المنطقة، خصوصا وأن كابوس الإرهاب لم يتم اجتثاث جذوره حتى الآن بسبب انشغال القوى الكبرى وفي مقدمتها الولايات المتحدة بجبهات عدة ومعقدة.
كاتب بحريني