يعتبر حل المشكلة الفلسطينية الهدف الأول لعملية السلام في الشرق الأوسط، وهي العملية التي تم تخديرها وتحويلها عن مجراها، ومن ثم تم الدوران بها في مكانها حتى داخت وسقطت على الأرض مغشياً عليها. وهناك قام المسؤولون عنها من الأميركيين والإسرائيليين بتحنيطها وإيداعها في غرفة خاصة، تعطي من ينظر إليها الانطباع بأنها حية، بينما هي تعيش في الواقع موتاً عقلياً وشعورياً وجسدياً.
ومن المؤسف القول إن ذلك حدث بينما كانت القيادة الفلسطينية والفريق المفاوض خاصة، يلعبون دوراً مشاركاً في إيصال تلك العملية إلى ما آلت إليه أوضاعها. وعلى سبيل المثال، اقترحت على الرئيس عباس حين التقيت به في واشنطن بعد نجاح الرئيس كلينتون في انتخابات الفترة الرئاسية الثانية، أن يطلب من الرئيس الأميركي تغيير الوسيط الأميركي دينس روس الذي كان قد مضى على تسلمه ملف المفاوضات حوالي 8 سنوات. لكن أبو مازن رفض اقتراحي قائلاً: هذه دولة عظمى..
كيف لنا أن نطلب منها تغيير مفوض من مفوضيها. وحين شرحت له أن من حق أية دولة أن تعترض على سفير أجنبي في بلادها وأن تطلب استبداله، هز رأسه متعجباً ولم يعلق. وكما هو معلوم الآن، وكما كتب روس في كتابه الأخير، لم يكن المبعوث الأميركي يعترف بأية حقوق فلسطينية، وإنما كان يتصرف على أساس أن قرارات مجلس الأمن الدولي، بما في ذلك القراران 242 و338، عبارة عن اقتراحات وليست قرارات ملزمة.
يمكن القول إن المشكلة اليهودية بدأت في اسبانيا حين تحالفت القوى القومية مع الكنيسة الكاثوليكية في تلك البلاد على ترحيل العرب واليهود من اسبانيا. وبعد خروج اليهود إلى العديد من الدول الأوروبية والعربية والإسلامية، واجه اليهود بعض الصعوبات في البلاد الأوروبية التي هاجروا إليها في بادئ الأمر، ازدادت فيما بعد كثيراً، لكنهم لم يواجهوا أية صعوبات في البلاد العربية والإسلامية التي نزحوا إليها.
وفي أعقاب تنامي النزعة القومية في مختلف بقاع القارة الأوروبية، تصاعدت موجة العداء لليهود والتفرقة ضدهم. وليس هناك من شك في أن اليهود ساعدوا، من خلال بعض الممارسات والسلوكيات الغريبة عن المجتمع المسيحي الأوروبي كالتعامل بالربا، في إثارة كراهية الأوروبيين عامة، والمتدينين والقوميين منهم خاصة.
وهذا شجع غالبية اليهود على العيش في أماكن معزولة عن المجتمع الذي كان يكتنفهم، أي في غيتوهات غلب عليها طابع الفقر وعدم الشعور بالأمان، وهذا تسبب بدوره في خلق ما أصبح يعرف فيما بعد باسم «المشكلة اليهودية».
منذ الإحساس بوجود مشكلة، بدأت قيادات الجاليات اليهودية في البحث عن حل لها، خاصة بعد أن تعرض اليهود لكتابات عنصرية مثل «تاجر البندقية» لشكسبير، وأعمال شغب وجرائم ارتكبت بحقهم وأدت إلى مقتل المئات منهم في العديد من دول القارة الأوروبية.
ومن خلال البحث عن حل لمشكلتهم، وجد بعض المثقفين من اليهود أن التوجه نحو الاندماج في المجتمع الأوروبي والتكامل معه، قد يكون هو الحل الأمثل. وفي هذا اعتراف صريح بأن اليهود أنفسهم يتحملون جزءاً من المسؤولية عما آلت إليه أوضاعهم، وذلك بسبب انعزالهم وعزلتهم وتجنب الاختلاط بالغير والتكامل مع مجتمعاتهم.
ولقد كانت أهم استراتيجية تبناها اليهود من أجل التكامل مع المجتمعات الأوروبية المسيحية التي كانوا يعيشون فيها في حينه، هو استبدال أسمائهم العبرية بأسماء مسيحية، ولذا يلاحظ المراقب أن غالبية يهود العالم تحمل اليوم أسماء مسيحية، لا عبرية. إلا أن تلك الاستراتيجية لم تنجح كما كان متوقعاً، وذلك بعد إدانة أحد ضباط الجيش الفرنسي من اليهود بجريمة التجسس لألمانيا في منتصف التسعينات من القرن الثامن عشر، وهي جريمة يبدو أنه لم يرتكبها.
في أعقاب ذلك الحدث، وبعد أن خرجت مظاهرات في شوارع باريس تقول «الموت لليهود»، قام الصحافي الذي تابع محاكمة الضابط اليهودي، واسمه تيودور هيرتزل، بطرح فكرة تأسيس حركة صهيونية تعمل على إيجاد وطن بديل لليهود. وفي أواخر ذلك القرن عقدت الحركة الصهيونية مؤتمرها الأول في مدينة بازل السويسرية وانتخبت هيرتزل رئيساً لها، ومن ثم اتفقوا على السعي لدى القوى الاستعمارية لمساعدتهم على إقامة وطن قومي لهم في فلسطين.
بعد 50 سنة من تأسيس الحركة الصهيونية، نجح اليهود في إقامة دولة إسرائيل في فلسطين، إلا أن كذبتهم التي صدقوها وصدقها الكثيرون في العالم، ألا وهي «شعب بلا أرض لأرض بلا شعب»، لم تعمر طويلاً، مما جعل المشكلة اليهودية التقليدية تغدو مشكلة إسرائيلية.
وتبعاً لذلك لم ينجح الحل الذي توصلت إليه الحركة الصهيونية في حل المشكلة اليهودية، حين احتلت أكثر من ثلاثة أرباع فلسطين وشردت حوالي نصف سكانها واستولت على حقوقهم. لذا بدأ قادة الصهيونية عملية البحث مجدداً عن حل.
وبينما يرى يهود أقصى اليمين أن الحل لن يتم دون التخلص من كل عرب فلسطين بالتهجير القسري أو الإبادة، يرى يهود أقصى اليسار أن الحل لا يمكن أن يتم دون السماح للفلسطينيين بإقامة دولتهم على معظم الأراضي التي احتلتها الدولة اليهودية في العام 1967. وبين هذين الطرفين يقف الكثيرون من يهود العالم.
وهذا يعني باختصار أنه لا يوجد صهيوني واحد في العالم يعترف بحقوق للشعب الفلسطيني، ولذا يقول كل يهودي يتحدث عن حل لمشكلة الصراع مع العرب، بأنهم على استعداد «لتقديم بعض التنازلات»، مما يعني أن كل الحقوق لهم وأن ما يمكن أن يحصل عليه الفلسطينيون، ليس إلا منة من إسرائيل وكرماً من اليهود وتضحية على حساب حقوق الأجيال اليهودية القادمة.
وفيما عدا البروفيسور الجريء والأمين إليان بابي، ليس هناك يهودي يعترف بحقوق لشعب فلسطين أو يقبل بالاعتذار لهم عما ارتكبته الصهيونية ولا تزال من مجازر في حقهم. ولذا علينا أن نعي تماماً أن أي شيء يسمح الصهاينة وأميركا للشعب الفلسطيني باستعادته من حقوقه التاريخية، لن يأتي إلا في سياق قناعة قادة الصهيونية أنه بدون ذلك لن يتم حل المشكلة اليهودية.
أما خطة إسرائيل الحالية فهي التسويف، والمزيد من الأكاذيب، وتغيير الحقائق على الأرض، وتحويل الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية إلى العيش في غيتوهات يعمها الفقر والفساد والتخلف ويسهل استغلالها، ومواصلة الاعتداء على المواطنين بالقتل والاعتقال والتجنيد في خدمة المخابرات الإسرائيلية، وبالتالي الحيلولة دون ظهور قيادات فلسطينية في المستقبل، تمهيداً لترسخ القناعة لدى سكان الضفة وغزة بأنهم شعب مهزوم، وأنه لا حول لهم ولا قوة سوى القبول بالأمر الواقع كعبيد في خدمة الاقتصاد الإسرائيلي.
كاتب عربي مقيم في أميركا