بلغة تجمع بين التفاؤل والتحذير وضع جلالة الملك عبدالله الثاني المجتمع الدولي وخصوصا الولايات المتحدة الاميركية أمام مسؤولياته التاريخية والأخلاقية والسياسية تجاه الصراع الفلسطيني الاسرائيلي ومنطقة الشرق الاوسط في شكل عام لأن المطلوب هو احداث اختراق تاريخي في عملية السلام كرسالة اميركية للشعوب مفادها ان واشنطن تعني ما تقول حول العدالة والشراكة حتى تتأكد من احقاق العدالة..
خطاب جلالة الملك الشامل الذي القاه في معهد اسبن في ولاية كولورادو الاميركية كان واضحا ومستندا الى قراءة اردنية عميقة ودقيقة للمشهد الاقليمي اراد جلالته ان يلفت انظار الجميع الى مسألة آن لهم ان يدركوها جيدا وهي ان تحقيق السلام والازدهار في الشرق الاوسط عنصر أساسي من أجل ترسيخ التقدم في العالم أجمع، الأمر الذي اراد جلالته ان يقول من خلال هذه الحقيقة ان الفرصة لم تستنفد بعد في الشرق الاوسط وانها ما تزال متاحة لتحقيق سلام بين العرب واسرائيل، يتيح المجال للتقدم وتحقيق الازدهار في المنطقة ويرسي قاعدة لمستويات جديدة من التعاون بين العالم الاسلامي والغرب..
توقيت الخطاب الملكي في معهد اسبن وبحضور حشد كبير من الفعاليات والشخصيات السياسية والفكرية والأكاديمية العالمية، لم يكن صدفة بل ان اختياره في هذه الظروف الاقليمية والدولية الدقيقة والمتسارعة والمفتوحة على احتمالات عديدة يكتسب أهمية اضافية وبخاصة ان المنطقة تقف أمام مفترق طرق حقيقي وفي ظروف تتسم بالخطورة والتحدي وان كانت في الوقت عينه مليئة بالفرص الفريدة، الأمر الذي يستدعي قيام الولايات المتحدة على وجه الخصوص بالامساك بزمام الجهد لايجاد تسوية سلمية تاريخية وخلق مستقبل جديد للفلسطينيين والاسرائيليين معا..
جلالة الملك الذي يعتمد الشفافية والصراحة والوضوح في خطاباته ومداخلاته وحواراته ولقاءاته على المستويات كافة كان حريصا يوم أول من امس الاثنين على نقل صورة الأوضاع الميدانية في المنطقة وعلى اطلاع الحضور على حقيقية ما يجري في الضفة الغربية المحتلة وما يشعر به الشعب العربي من خيبة أمل حقيقية في ظل مواصلة اسرائيل بناء المستوطنات واقامة الجدران وحواجز الطرق التي تعمل على تقطيع اوصال التجمعات السكانية الفلسطينية في الوقت ذاته الذي تتواصل فيه حال الفوضى والتخبط التي يعيشها الاقتصاد الفلسطيني..
لم تعد المسألة اذا في حاجة الى هدر المزيد من الوقت او السماح باستمرار لعبة شراء الوقت التي تمارسها اسرائيل لفرض سياسية الأمر الواقع ، فالحاجة باتت ملحة في الشرق الاوسط الى افق استراتيجي للتعامل مع التحديات التي تواجه المنطقة ما يعني ان تكون مسألة تحقيق السلام على رأس اولويات جدول الأعمال الدولي وخصوصا الاميركي حيث المعيار الوحيد لنجاح مثل هذا التصور يكمن في ظهور بعض المكاسب على الأرض كنتيجة ملموسة ومباشرة لعملية السلام والا فان المصداقية الاميركية ستقلص بصورة دراماتيكية وستواصل قوى التطرف اندفاعها لابعاد المنطقة عن الاعتدال..
لا يتحدث زعيم في منطقة الشرق الاوسط بل وفي العالم أجمع بمثل الصراحة والوضوح والقراءة الدقيقة التي يتحدث بها جلالة الملك عبدالله الثاني وعلى الارض الاميركية مذكرا البيت الابيض بمسؤولياته وطارحاً المخاطر والتداعيات التي تتربص بالمنطقة كما بمصداقية الدبلوماسية الاميركية، لأن السلام يحتاج الى عمل على الارض اضافة الى العمل على طاولات المفاوضات، ما يتطلب عملاً مشتركاً ومتواصلاً يجمع بين الحكومات والقطاع الخاص والمنظمات غير الحكومية اذا ما أريد خلق ظروف وأجواء ملائمة وجادة لتحقيق سلام تكتب له الديمومة ويحظى بدعم الشعوب..
في الاطار ذاته جاءت اشارة جلالة الملك الى مسألة مهمة لضرورة بناء شراكات قائمة على الاحترام لصنع السلام في الوقت عينه الذي يجب ان يتواصل دعم قوى الاعتدال في المنطقة، لما لذلك من أهمية حيوية لاستمرار ثقافة السلام والحوار وتكريس مفاهيم الاعتدال ورفض العنف والارهاب والاحتلال..
جملة القول ان خطاب جلالة الملك الذي اتسم بالوضوح والشمولية وتناول كافة ملفات وقضايا المنطقة، شكل فرصة متجددة لاعادة التأكيد على القراءة الأردنية والعربية للصراع في المنطقة وفي الآن ذاته اشهار دعوة جلالة الملك الى بدء حوار بين الولايات المتحدة والشرق الاوسط والعالم الاسلامي، بهدف ازالة المفاهيم الخاطئة ومساعدة الناس على اكتشاف الارضية المشتركة فيما بينهم، بعد ان كادت الأمور ان تختلط ويتعمق سوء الفهم الذي اسهم كثيرون في ابرازه على غير حقيقته ولا سبيل لكشفه سوى الحوار والمناقشات المفتوحة..
