مهما عقد من حوارات وأطلق من مبادرات تعنى بالتقريب بين المذاهب أو الأديان، تظل الحاجة في العالم الإسلامي لمثل هذه المبادرات ضرورية وحقيقية. من السهل أن ننتقد آلية الحوار أو نجد ثغرات في هذه الحوارات، لكن يبقى إيجاد منابر لتلاقي الأفكار والأديان المختلفة، فرصة فكرية وثقافية ثمينة لجيل جديد من شباب المسلمين ممن نشأ في مناخ تسوده أفكار مغلوطة أو عدائية تجاه الأديان الأخرى.

حتى لو لم يخرج من تلك اللقاءات سوى صور تجمع بين إمام مسلم مع أب مسيحي أو حاخام يهودي، مما يؤسس ـ ربما ـ لفكرة جديدة لدى الناشئة المسلمة مفادها أن بالإمكان أن تتلاقى الأفكار والأديان، وبالتالي القبول بـ «الآخر» مهما كان عمق الاختلاف الفكري أو الجرح التاريخي..

وفي المؤتمر العالمي للحوار بين الأديان الذي عقد الأسبوع الماضي في مدريد بمبادرة من الملك عبد الله بن عبد العزيز تأكيد جديد على أهمية مثل هذه المبادرات.

ليس تزلفاً القول إن ما ميز لقاء مدريد هو تبني الملك عبد الله نفسه لهذه المبادرة، ليس فقط لأنه عرف بصدقه في مبادراته الإصلاحية، ولكنه أيضاً ملك بلاد دفعت ثمنا باهظا لقاء استغلال بعض شبابها في معارك خاسرة في بقاع متباعدة من العالم، باسم الذود عن الدين أو نصرة المسلمين المضطهدين أو تحرير أراضي المسلمين. فحينما تهيمن ثقافة عدائية ضد أهل الأديان الأخرى، يسهل بالتالي تجنيد الآلاف من الناشئة المتحمسة والمندفعة، واستغلالها في صراعات سياسية معقدة بغطاءات دينية مختلفة.

ولهذا فقد تابعت وسائل الإعلام العالمية لقاء مدريد باهتمام خاص، لسبب جوهري وهو أن المبادرة جاءت من بلاد تتهم دائماً بالتحريض ضد الآخر. لكن المؤكد أيضاً أن البلاد التي تبنت هذه المبادرة قد انكوت بنار الإرهاب والفكر التكفيري المتطرف. لقد أفاق السعوديون بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 على حقيقة مؤلمة، أدركوا بسببها أن الفكر المتطرف يقود عادة إلى الكره ثم العنف. ومن يظن أن الكره والعنف سيتجهان فقط للخارج إنما يخدع نفسه، فمن برر قتل الأبرياء في الخارج يسهل عليه تبرير قتل الأبرياء في الداخل. والكاره للآخر سيجره كرهه وفكره إلى كره كل من حوله وربما كره ذاته.

يحسب لقطاع واسع من المجتمع السعودي أنه قد بدأ عملياً ـ خاصة منذ أحداث العنف الدامية التي شهدتها مدن سعودية كثيرة قبل سنوات ـ في إعادة التفكير تجاه كثير من «المسلمات» التي رسختها الخطابات التقليدية القديمة. فلم يعد السعودي يتعامل مع مصطلح «الخصوصية»، على سبيل المثال، بنفس القدسية أو الحساسية كما كان إلى وقت قريب. فأي «خصوصية» هذه التي تعزل مجتمعا بكامله عما يحدث حوله من سباق وحركة نحو المستقبل والجديد؟ وأي «خصوصية» تلك التي تحملك فوق طاقتك وكأنك وصي أو قيم على أخلاقيات وإيمان العالم كله؟

الخبر الإيجابي هنا هو أن السعوديين أنفسهم قد باشروا منذ سنوات في نقد خطاباتهم ومواقفهم السابقة، فظهرت على الساحة السعودية أصوات ناقدة جديدة، وصل صداها إلى خارج الحدود وأثبتت باقتدار قدرة على تشريح أوضاع الداخل وممارسة نقد الذات بوعي وجرأة ومسؤولية. دفع عدد من السعوديين ثمناً باهظا لقاء موقفهم النقدي ذلك، خاصة أنهم واجهوا تيارات قديمة تخاف من النقد أو تسيء فهمه. واجه عدد من الكتاب والمثقفين السعوديين، ممن مارس نقداً علنياً ضد المدرسة الإقصائية القديمة، حرباً شرسة مورست فيها تهم العمالة والتكفير وتحريض السلطة والمجتمع.

لكن الخطاب الجديد بدأ ينتصر ويفرض حضوره بقوة، حتى أن الملك عبد الله نفسه خصص كلمته الأخيرة أمام مجلس الشورى (15/3/2007) لأهمية النقد ونقد الذات تحديداً، وبادر بعدها بالدعوة للمؤتمر العالمي للحوار بين الأديان.

في السعودية اليوم توجد تيارات فكرية منفتحة على مبادئ الحوار والتواصل مع الآخر، والانفتاح على العالم. هناك أصوات فاعلة تدعو لتجاوز الفرقة المذهبية داخل الصف السعودي وتمد أيديها لأصحاب الفكر المختلف، حتى بات السؤال في الوسط السعودي اليوم: من يسبق من؟ هل يسبق وعي المجتمع وعي القيادة؟ أم أن القيادة والمجتمع قد اتفقا أخيراً على أهمية الانطلاق نحو المستقبل بثقة وعقل متحرر من عقد الماضي وخطابات الإقصاء والتكفير؟

انتبه: ليس القصد هنا أن نرسم لوحة وردية للداخل السعودي كما لو أنه صار مجتمعاً جديداً ليس له علاقة بصورته القديمة أو بظروفه السابقة. ما زال الطريق نحو الإصلاح والتغيير طويلا ومليئا بالأشواك والعقبات، وما زالت ثمة مشكلات أخرى، غير قضايا الفكر، تعيق انطلاق المجتمع السعودي لآفاق جديدة من الانفتاح والتسامح وقبول الآخر، مشكلات تتعلق بمستوى التعليم وظروف الاقتصاد وانتشار البطالة وغيرها.

لكن ما يدعو للتفاؤل أن ثمة حوارا جادا يدور بين السعوديين، في الإعلام المحلي وخارجه، في مجلس الشورى ومجالس المواطنين الخاصة، في الاستراحات والمقاهي، حول راهنهم ومستقبلهم.

ولهذا أتاحت مبادرة الملك عبد الله للمؤتمر العالمي لحوار الأديان، لعدد من السعوديين طرح أسئلة مهمة جديدة مثل: متى ستستضيف السعودية حواراً مماثلاً للأديان يعقد على أراضيها ويؤكد للسعوديين أن الخوف القديم من بعض المبادرات الجريئة قد ولى إلى غير رجعة؟ ولماذا لا تستمر الجهود لعقد حوارات مشابهة لكنها تناقش قضايا المذاهب والمدارس الإسلامية المختلفة؟

ويبقى السؤال الأهم: كيف يمكن ترجمة كل هذه الحوارات والنقاشات الجادة والمهمة، إلى خطط عمل وقرارات تطبق على الأرض ثم تتحول بالتالي إلى سلوك يمارس في العلن؟

هنا يكمن التحدي!

كاتب ومستشار إعلامي

hattlan@post.harvard.edu