عندما قام البرتقاليون بثورتهم في أوكرانيا عام 2004، كانت موسكو تعرف جيداً أن هذه الثورة موجهة بالتحديد ضدها وضد العلاقات الروسية الأوكرانية، ولم يكن غريبا أن تتصدر وتتزعم الثورة البرتقالية، بجانب الرئيس يوشينكو، المرأة الحديدية يوليا تيموشينكا التي لا يختلف اثنان على مدى كراهيتها وحقدها على روسيا، وكيف لا وهي التي كانت متهمة ومطلوبة أمام القضاء الروسي بتهم فساد ورشى في اتفاقات بين البلدين؟

ولهذا لم يكن غريبا أن يقع الاختيار عليها لقيادة البرتقاليين، وقد ظلت تيموشينكا على موقفها هذا بعد سيطرة البرتقاليين على الحكم، وظلت تطلق التصريحات الحادة الهجومية ضد روسيا حتى منتصف عام 2007، خاصة وأن واشنطن أبدت اهتماما بالغا بتيموشينكا والتقت معها وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس أكثر من مرة ووصفتها بأنها نموذج حي للمرأة الحرة القادرة على تحقيق آمال وطنها.

وبمرور الوقت، ومع تراجع اهتمام الإدارة الأمريكية بالبرتقاليين وبأوكرانيا بشكل عام، بسبب غرق إدارة بوش في مشاكل أكبر في مناطق أخرى من العالم، وبسبب يأس واشنطن من إمكانية تحقيق اختراق كبير في العلاقات بين روسيا وأوكرانيا على المستوى الشعبي والاقتصادي، ومع عدم رغبة واشنطن وحلف الناتو في تصعيد المشاكل مع روسيا بسبب حاجتهم الماسة لها في الحرب في أفغانستان.

ومع ضعف مركز البرتقاليين في أوكرانيا بسبب عدم قدرتهم على مواجهة الأزمات الاقتصادية وعدم استطاعتهم تنفيذ أي وعد من الوعود التي أطلقوها للشعب عندما قاموا بالثورة، ومع ظهور الانقسام الحاد بين صفوف قيادات البرتقاليين وذهاب يوشينكو بحزبه في جهة وذهاب تيموشينكا بحزبها في جهة أخرى مضادة..

بدأ كل من الطرفين يلعب ضد الآخر، وكانت تيموشينكا الأذكى في اللعب من الرئيس يوشينكو الذي ظل لآخر لحظة يراهن على واشنطن والغرب، حتى واجه الصدمة برفض الناتو بحث مسألة انضمام أوكرانيا للحلف وإرجائها لأجل غير محدد، وعاد يوشينكو من قمة حلف الناتو الأخيرة مخذولا، بينما كانت تيموشينكا الذكية تفتح جسورها وقنواتها مع روسيا وتخطب ودها، ولم تعد تيموشينكا تتحدث عن الغرب ولا عن حلف الناتو، بل ذهبت تبحث مع روسيا قضايا إمداد أوكرانيا بالغاز وقضية الأسطول الروسي في سيفاستوبل وباقي مسائل التعاون بين البلدين.

وبالطبع لم تضيع موسكو الفرصة المتاحة مع ألد أعداء الأمس، خاصة وأن أوكرانيا تظل بالنسبة لروسيا جزءا هاما وكبيرا لا يتجزأ من أمنها القومي.

وكان بالأمس القريب اللقاء الذي لم يكن أحد يتوقع حدوثه خلال الأعوام الثلاثة الماضية، فها هي رئيسة الوزراء الأوكرانية وزعيمة البرتقاليين يوليا تيموشينكا، التي كانت بالأمس القريب مطلوبة أمام القضاء الروسي ومطلوبا القبض عليها، ها هي تزور موسكو زيارة رسمية وتلتقي مع رئيس الوزراء الروسي بوتين، في لقاء وصفه الجميع بأنه أكثر من ودي وإيجابي.

وحصلت المفاجأة غير المتوقعة عندما كشف بوتين وتيموشينكا عن استعدادهما لتسوية مشكلات بين روسيا وأوكرانيا، تتعلق بإمداد أوكرانيا بالغاز الطبيعي وبقاء قاعدة الأسطول الروسي في القرم واحتمال انضمام أوكرانيا إلى حلف شمال الأطلسي. ووعدت تيموشينكا بأن الجانب الأوكراني سيلتزم باتفاق بقاء قاعدة الأسطول الروسي على أرض أوكرانيا حتى عام 2017، وأكدت على ضرورة أن يكون الشعب هو من يقرر مسألة الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي في استفتاء عام.

وعلى ما يبدو فإن القيادة الروسية غير راضية عن الرئيس الأوكراني فيكتور يوشينكو، بعد موقفه المتصلب من قضية انضمام أوكرانيا للناتو. وربما تجد موسكو لنفسها مصلحة في تغيير الجماعة الحاكمة في أوكرانيا، ولكنها لا تزال تبحث عن سياسي أوكراني يمكنها أن تعتمد عليه. وتتمنى تيموشينكا أن تكون هي الشخص الذي تثق فيه موسكو لقيادة أوكرانيا، خاصة وأن لها منافسا آخر هو زعيم المعارضة الموالية لروسيا فيكتور يانكوفيتش.

كاتب ومحلل سياسي أوكراني

vladi1949@mail.ru