تفاءل الكثيرون بالثورة المعلوماتية والمجتمع الرقمي، وتنبؤوا بمستقبل زاهر للديمقراطية وحرية الرأي والتعبير والمشاركة السياسية والحكم الرشيد، في الدول التي عانت الكثير من مصادرة الحريات والحكم السلطوي المستبد. لكن ما حدث في أرض الواقع هو العكس تماما، حيث بقيت الأمور على حالها لم تتغير.

وما حدث في الواقع هو تهميش مزدوج، الأول حدث على المستوى الدولي بين الذين يملكون والذين لا يملكون، وتهميش على المستوى الداخلي بين القلة التي تملك والأغلبية التي مازالت تعاني التهميش والأمية والفقر.

أصبح الانترنيت اليوم وسيلة العصر والأداة الاستراتيجية المحورية في كل مجال من مجالات حياة المنظمات والأفراد. نجد هذه الأداة الاستراتيجية في التجارة وفي السياسة وفي التعليم وفي التربية وفي الرياضة وفي الصناعات الثقافية والإعلامية وفي الدبلوماسية ...الخ. ففي الواقع جاءت الثورة الاتصالية لتكرس تفوق الشمال على الجنوب، ولتزيد الأغنياء غنى والفقراء فقرا.

فالثورة الاتصالية أدت إلى ظهور ما يسمى بالصناعات الثقافية، هذه الصناعات التي غمرت العالم بإنتاجها، وأدت بذلك إلى توحيد الرؤية والفكر حسب المعطيات والمبادئ والقيم الذي يفرضها صاحب السلطة والمال.

والإشكالية المطروحة في الثورة الاتصالية هي أن الدول الصغيرة والفقيرة قد أقدمت على شراء التكنولوجيا والوسائل والقنوات لتواكب التطور، لكنها عجزت عن إنتاج المعرفة والمادة الإعلامية التي توزع عبر هذه التكنولوجيات، وهكذا فإنها وجدت نفسها مضطرة إلى اقتناء البرمجيات والمادة التي تبث وتوزع عبر الوسائل والتكنولوجيات المختلفة.

والتناقض المطروح هنا هو أن هذه البرمجيات وهذه المادة التي تقبل معظم الدول في العالم على اقتنائها من حفنة من الشركات العالمية لإنتاج البرامج، تحمل في طياتها قيما ومبادئ قد تتنافى وتتعارض مع القيم المحلية لشعوب العالم، وهذه السيطرة على الإنتاج تؤدي كذلك إلى عولمة الثقافة ومن ثم تهميش من لا يستطيع الإنتاج والمساهمة في الثقافة العالمية.

هذه الظواهر لم تأت هكذا بطريقة عفوية أو بطريقة بريئة، وإنما هي نتيجة لشبكة من الميكانيزمات والآليات التي تتحكم فيها قوى خفية، تسيطر على المركب العسكري الصناعي الاتصالي على المستوى العالمي. وهكذا تأتي الثقافة العالمية كجزء لا يتجزأ من النظام الدولي الجديد الذي تحاول الولايات المتحدة الأميركية، في غياب القطبية الثنائية، أن تفرضه على العالم وتتربع على عرشه بما يخدم مصالحها وأهدافها الاستراتيجية.

والثقافة العالمية في إطار النظام الدولي الجديد لا تؤمن بالتنوع الثقافي، ولا بالخصوصيات الثقافية عند مختلف شعوب العالم. فمقولة «الوسيلة هي الرسالة» لا أساس لها من الصحة عندما تتحكم حفنة من دول العالم في محتوى شبكة الانترنيت على سبيل المثال.

وعندما تكون لغة هذه الشبكة هي اللغة الإنجليزية بنسبة 85%. وهكذا نلاحظ أن الهوة بين الدول المالكة لتكنولوجيا الاتصال وللصناعات الثقافية والدول المستهلكة سواء للتكنولوجيا أو لمحتواها، تزيد عمقا يوما بعد يوم ولصالح الحفنة القليلة التي تملك وتنتج حسب قيمها وأهدافها واستراتيجيتها.

الثورة المعلوماتية والمجتمع الرقمي يرفعان تحديات كبيرة وهامة أمام دول الجنوب، حيث ضرورة وضع استراتيجية للصناعات الثقافية والإعلامية، والمساهمة في التراث الفكري والعلمي العالمي وعدم الاكتفاء بالاعتماد على الآخر والاستهلاك فقط. فالحل الوحيد أمام دول الجنوب هو الاستثمار في البحث العلمي وفي إنتاج المعرفة، والنهوض بالتعليم العالي لينتقل من مرحلة التلقين إلى مرحلة صناعة المعرفة.

التساؤل الذي يجب أن نقف عنده هنا هو هل تتوفر لدى الجميع في دول الجنوب إمكانية الحصول على جهاز كمبيوتر وخط هاتفي ومبلغ مالي للاستفادة من خدمات الإنترنت؟ ولو فرضنا أن الجميع ينعم بخدمة الإنترنت، هل ما يُقدم في الإنترنت محايد وعلمي ويخدم الجميع بنفس الدرجة؟

بالنسبة للتساؤل الأول وبخصوص دول الجنوب أو الدول النامية، فالمشكل مطروح بحدة حيث إن العديد من هذه الدول يعاني الفرد فيها الكثير حتى يتدبر رغيفه اليومي فما بالك بالإنترنت، هذا إذا كان يعرف القراءة والكتابة. ففي هذه الدول مقولة إن الإنترنت سيعمل على «دمقرطة» الدول النامية وعلى تطوير المشاركة السياسية، أمر ما زال بعيد المنال.

فقد تستفيد الدول النامية على الصعيد المؤسساتي من خدمات الإنترنت، أما على الصعيد الخاص والفردي فالنخبة البورجوازية والنخبة المثقفة القليلة هي وحدها التي تستفيد من التكنولوجيا الجديدة، وهذا يعني أن الإنترنت سيعمق الهوة بين من يملك ومن لا يملك، بين الريف والمدينة وبين الطبقة الميسورة الحال والطبقة المحرومة.

وبالنسبة لمحتوى الإنترنت فالأمر لا يخرج عن القاعدة، فصاحب التكنولوجيا وصاحب الصناعة الثقافية، يفرض وجوده وسلطته على الوسيلة التي اخترعها وسيطر عليها. فالحلم إذن، بأن الإنترنت هو مفتاح لحل العديد من المشاكل، وهو وسيلة لتحقيق الحريات الفردية والقضاء على الأنظمة السلطوية والدكتاتورية، ما زال بعيد المنال.

الإنترنت وتكنولوجيا الاتصال والعولمة الاقتصادية أمور تصب في إناء واحد، وهو التوجه نحو القضاء على التعددية والاختلاف الثقافي، أي التوجه نحو الذوبان الثقافي أو على حد تعبير ولفغانغ ساكس «التبخر الثقافي» أو «الانجراف الثقافي»، والتوجه نحو العولمة الثقافية التي تؤمن بنظام قيمي موحد على المستوى العالمي.

هذه الآليات، بطبيعة الحال، ليست بريئة وإنما تخدم من يملك القوة والجاه والفكر كما أسلفنا سابقا. فالذي لا يصنع المعرفة ويعتمد على استهلاكها، محكوم عليه بالخضوع والتبعية. والإنترنت ما هو إلا صيغة من صيغ الوسائط التكنولوجية المتطورة، التي تنقل الثقافة الفاعلة (التي تقصي الثقافات الأخرى) وتجسد العولمة.

هذا لا يعني أن العالم النامي مطالب بعزل نفسه عن العالم وبمقاطعة الإنترنت. المطلوب هو محاولة المشاركة في صناعة المعرفة، وفي تقديم الثقافات الوطنية عن طريق الإنتاج والإبداع والبحث العلمي، وهذه الأمور لا تأتي إلا بتحرير العقل وتحرير الفرد، والإيمان بأن تعليم الفرد والاستثمار في صناعة المعرفة، هما الركيزتان الرئيستان للتطور والنمو والابتكار والإبداع والتفوق.

وفي ظل هذه المعطيات يستطيع العالم الثالث القضاء على التهميش المزدوج، والانتقال إلى مرحلة الاندماج والتفاعل بصفة كاملة مع ثورة المعلومات والمجتمع الرقمي.

كلية الاتصال، جامعة الشارقة

mokirat@sharjah.ac.ae