هل الصدفة التاريخية هي التي جعلت من شهر يوليو في التاريخ الإنساني شهرا للثورات المطالبة بالحرية؟ أم أن ثورة 23 يوليو المصرية بعد ثورة 14 يوليو الفرنسية، كأبرز حدثين عالميين في هذا الشهر بما أحدثتاه من أثر عميق على شعوبهما وإقليمهما وعالمهما، هما اللتان طبعتا هذا الشهر بطابعه الثوري والتحرري في التاريخ الإنساني؟!

فشهر يوليو الذي بدأ رصيده التاريخي بيوم الاستقلال أميركيا عن التاج البريطاني، مرورا بالثورة الفرنسية وإعلان أول جمهورية أوروبية، وبيوم الاستقلال وانتصار الثورة الجزائرية على الاستعمار الفرنسي، وبانطلاق الثورة المصرية التي حررت الوطن والمواطن المصري أفريقيا، وثورة يوليو العراقية التي أخرجت بغداد من (حلف بغداد) الاستعماري آسيويا، وانتهاء بأيام النصر والحرية اللبنانية على العدوان الصهيوني عربيا، وغيرها من الأحداث التحررية الكبرى في تاريخ الشعوب، لا بد أن يكتسب زخما إنسانيا ثوريا وتحرريا يجعلنا نتساءل هل يوليو هو صانع الثورة أم أن الثورة هي التي صنعت يوليو؟

والواقع أن الشهور لا تصنع ثورة، بينما الثورة الحقيقية، وليس مجرد الانقلابات العسكرية، التي تصنع التغيير الإيجابي المطلوب شعبيا في اتجاه التقدم، هي التي تصنع الأيام و الشهور والأعوام وتثبتها في الذاكرة الوطنية، لكن الشعوب الحرة التي ترفض الاستسلام لإرادة الاحتلال الأجنبي، والشعوب الحية التي ترفض القبول بالظلم السياسي والاجتماعي وتنتفض ضد الاستبداد والاستغلال، هي التي تحقق بالمقاومة حرية الأوطان وتستعيد بالثورة حرية الإنسان.

وإذا كانت المقاومة الوطنية لشعب من الشعوب نضالا من أجل حرية الوطن، لا تتفجر إلا في ظل انسداد الآفاق السلمية لتحقيق الاستقلال بالتفاوض السياسي، وهي في هذا تستمد مشروعيتها من لا مشروعية الاحتلال الأجنبي كعمل عدواني وعمل إرهابي دولي كما أكدتها المواثيق الدولية، فإن الثورة الشعبية..

أي ثورة، لا تتفجر إلا مع انسداد قنوات الإصلاح والتغيير السياسية والدستورية، وحينما لا تعبر الدساتير والقوانين عن الإرادة الشعبية، وحينما لا تقوم المؤسسات التشريعية والتنفيذية بدورها الشرعي الحقيقي في التعبير عن إرادة الأمة، وهذا هو السند الوحيد والشرعية الأكيدة لمشروعية أي ثورة.

وككل الأحداث الكبرى في تاريخ نضال الشعوب، سواء ضد الاحتلال الأجنبي من أجل الاستقلال والتحرر الوطني، أو ضد الاستبداد السياسي والظلم الاجتماعي من أجل التحرر الإنساني، تبقى ثورة 23 يوليو المصرية بقيادة جمال عبد الناصر التاريخية، لها ما لها وعليها ما عليها..

وهي بكل ما لها من رصيد إيجابي، بمبادئها الإنسانية التحررية وبتجربتها الثورية الوطنية والقومية، وبشعبيتها وبتقدميتها، وبعروبيتها وعالميتها، وبانتصاراتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، تبقى حدثا تاريخيا ملهما لكل الشعوب التي ما زالت تقاوم حتى الآن ضد الاحتلال، سواء الصهيوني في فلسطين أو الأميركي في العراق أو الأطلسي في أفغانستان أو الأثيوبي في الصومال.

كما تبقى تجربة رائدة بكل ما عليها من رصيد سلبي، وبالأثمان العالية التي دفعتها، وبالأخطاء التي دفعت إليها شراسة معاركها الداخلية والخارجية من أجل أن تستمر مسيرتها الاستقلالية التحررية الوطنية والإنسانية، بعيدا عن التبعية للقوى الاستعمارية الخارجية، وعن التبعية للقوى الحزبية للطبقة السياسية الداخلية التي كانت تصارعها على السلطة السياسية، وبما لم يحقق من أهدافها الكبرى كما تمنت قيادتها الثورية.

وكما تمنت جماهيرها الشعبية، حينما انحازت إلى الديمقراطية الاجتماعية على حساب الديمقراطية السياسية.. لكن ربما ما تفتقده شعوبنا الآن هو إحدى الديمقراطيتين أو كلتيهما معا!!

mamdoh77t@hotmail.com