في سياق زيارته لأستراليا، أدان بابا الفاتيكان مسلك أولئك القساوسة الكاثوليك الذين يمارسون الاعتداء الجنسي على أطفال قُصّر، واصفا هذا المسلك بأنه عار على مؤسسة الكنيسة الكاثوليكية.

لكن هل يكفي مجرد الإدانة في مثل هذا الشأن الأخلاقي الخطير؟

إن المشكلة الحقيقية لمؤسسة الكنيسة المسيحية العالمية بشقيها الكاثوليكي والبروتستانتي، هي انفصام المجتمعات في أوروبا والولايات المتحدة عن قيم وتقاليد الدين المسيحي. أما جنوح بعض القساوسة نحو اعترافات أخلاقية فليس سوى المظهر الخارجي للمشكلة وليس سببها الجذري.

للإنصاف ينبغي أن نقر أولاً بأن الانحراف الأخلاقي لدى شخصيات دينية، ليس قاصراً على ملة واحدة دون غيرها. فالمنحرفون موجودون في كل مجتمع، بصرف النظر عن الديانة السائدة فيه. لكن الأمر الخطير حقا هو إلغاء دور الدين في المجتمع عمداً وفقاً لمنحى فلسفي معين.

في المجتمعات الغربية كانت البداية «فصل الدين عن الدولة» عندما بلغ الصراع السلطوي بين مؤسسة الكنيسة ومؤسسة الدولة ذروته في أوروبا أبان القرن السادس عشر. وبينما كان هذا الشعار الكبير إصلاحيا على خلفية الظروف الاستثنائية التي نشأ فيها، إلا أن نطاق تطبيقه أخذ يتوسع بالتدرج على مدى القرون التالية، مع انتشار القيم الرأسمالية في الغرب ليعني عند نهاية المطاف فصل الدين نهائيا عن الحياة الاجتماعية بأسرها.

باسم مبدأ «الحرية الفردية» صار الالتزام بالدين ومنظومة قيمه وأخلاقياته مسألة «شخصية» صرف. فالحرية أصبحت المعيار الأعلى.. وبالتالي فإن كل ما يتعارض معها ربما في ذلك الالتزام الأخلاقي المبني على التعاليم الدينية ـ يعتبر باطلا. وتدخل في هذا الإطار ظاهرة الشذوذ الجنسي التي تمارس علنا كخيار فردي باتت له شرعية قانونية.

مشكلة مؤسسة الكنيسة الغربية هي إذن أنها انجرفت مع تيار القيم الليبرالية المادية التي سادت المجتمع الرأسمالي، باسم الحرية وعلى أساس قاعدة «الغاية تبرر الوسيلة». فكل ما يجلب منفعة مادية يعتبر مكسباً، حتى لو تعارض مع قيم الرسالة الأخلاقية العظمى التي بشر بها المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام.

مؤسسة الكنيسة أصبحت إذن بحاجة إلى ثورة أخلاقية لاستعادة دور الدين في المجتمع الغربي.

opinion@albayan.ae