الانسحاب الكامل للقوات الأميركية الفوري أو المبرمج وفق جدول زمني موثق ومعلن من العراق هدف كل عراقي ومواطن عربي، فهو ينهي الاحتلال ويمهد لتحقيق السيادة والتحرير، فتقرير المصير ليس منحة من أميركا بل هو إقرار بحق الشعب العراقي بثبوت حقه الطبيعي لانتزاع استقلاله وسيادته.
إن ربط الوجود بتحسن الوضع كلياً في العراق وموافقة أممية يعني أساساً أن العراق عليه انتظار العديد من السنوات لتحقيق هذا الهدف في ظل حاجته الدائمة لمساعدة الأميركيين في بسط الأمن وتأهيل الجيش.
ليس هناك أي دور لمجلس الأمن في تقرير مصير العراق، وكذا الحال بالنسبة للتشكيلات العراقية التي ليس لها أي دور مؤثر غير الموافقة على الترتيبات الأميركية الجاري العمل بها بالسر والعلن. وإذا كنا على اقتناع تام، بأن ذات الرحيل هو أمر حتمي طال الأمد أم قصر، فإننا على قناعة تامة أيضاً بأن الأميركان إنما يرتبون على ضوء ذلك، ؟ـ «بقاء دائم» ليس فقط عبر سفارة، بل عبر بناء قواعد عسكرية تؤمن لهم مصالحهم في مرحلة ما بعد إنهاء الاحتلال رسمياً.
فان كثيراً من الخبراء يلاحظون أن المسؤولين الأميركيين يتحدثون عن انسحاب تدريجي وليس انسحاباً نهائياً، ويحاولون الالتزام في ذلك بالصيغة التي جاءت في تقرير بيكر ـ هاميلتون، أي الانسحاب التدريجي، وهذا يشير إلى أن فكرة الانسحاب النهائي من العراق لم يتطرق إليها أحد كخيار استراتيجي نهائي، إذ تشير فكرة الانسحاب التدريجي إلى إمكانية إعادة الانتشار للقوات الأميركية في العراق.
وذلك عبر الانسحاب من الأماكن المتوترة إلى أماكن أكثر أمناً بما يسهل لها إقامة قواعد عسكرية دائمة. لذلك فان الضرورة ملحة بالنسبة إلى العراقيين لتجنب هذا الهدف الخفي عبر إبرام معاهدة عسكرية تضمن جدولة انسحاب أميركي من العراق غير مرهون بالتزامات دولية التي تسطرها أميركا لنفسها وعليها مع رفض إضفاء الشرعية القانونية على قوات الاحتلال وشركاتهم الأمنية.
إن المرشح الديمقراطي باراك أوباما يتسابق في المزايدة على مطلب سرعة الانسحاب من العراق إذا وصل إلى البيت الأبيض، ويريد أن يجعل من العام 2010 نقطة تغيير في الوجود العسكري الأميركي في العراق، لكن الوضع قد يختلف في نوفمبر المقبل، مادام أن تصريحاته تدخل في إطار حملة انتخابية لجلب الأصوات لا غير، وهو حريص مثل كل رئيس على احترام مصالح بلاده قبل كل شيء، ونحن لا ننتظر منه أو من غيره من الزعماء الأميركيين تغييراً جذرياً أو فجائياً، لكننا ننتظر رئيساً أكثر اعتدالاً ينهي الاحتلال للعراق، ويستعيد المصداقية التي شوهتها سجون أبو غريب.
