ثمة صراع علني لا تزال معالمه غير واضحة إلى حد ما، مرتبط بالوضع الذي آلت إليه مشاكل عالمنا بسبب تمادي الإدارة الأميركية الحالية بقيادة الرئيس جورج بوش في إدارتها بشكل سيئ، وتأجيجها في أكثر من مكان.

السؤال المطروح بقوة في الوقت الحاضر هو هل أن التطور الذي وصلت إليه الأمور سيسمح بإحداث صدمة إيجابية على صعيد الأداء الأميركي مع انتقال دفة الحكم في واشنطن إلى إدارة أخرى، أم أنه سيساهم في إعادة عقارب الساعة إلى الوراء (أو ربما إلى الأمام وفق المفاهيم التي يؤمن بها البعض)، فنشهد ولادة عالم جديد تتقاسم فيه النفوذ مجددا نفس الأقطاب التي تنافست فيما بينها في السابق؟

لا شك أن الإدارة الأميركية الجديدة ستكون مثقلة بكثير من الهموم والمشاكل التي سترثها عن العهد الأميركي الحالي، الذي وبرغم تماسكه الظاهري واندفاع حركته الدبلوماسية، يبدو من خلال التفاصيل الدقيقة لنتائج سياسته منهكا إلى حد كبير. لذلك، فإن المراهنة على الصدمة الإيجابية السريعة سيكون محبطا نوعا ما، أخذا بعين الاعتبار أنه في كلتا الحالتين اللتين سيشهدهما التطور الانتخابي الأميركي، لن تتمكن الإدارة الجديدة من تحقيق أية نتائج سريعة تنعش الآمال، بغض النظر عن انتمائها الحزبي.

فإذا شهدنا ولادة إدارة جمهورية جديدة، لن يكون هناك مجال كبير لأحداث التغيير، بل إمعان في تنفيذ البرنامج الذي قدّمته لنا الإدارة السابقة. وحسب التنبؤات الكثيرة الصادرة عن الاستطلاعات الأولية، فإننا قد نضطر للتعرف على شخصيات أكثر جرأة وربما وقاحة، في طرح المسائل الدولية المثيرة للخلاف حاليا.

أما إذا شاءت الظروف الانتخابية أن تنتقل القيادة إلى إدارة ديمقراطية جديدة، فإنها لن تكون قادرة بكل تأكيد على تحقيق الصدمة الإيجابية التي تحدثنا عنها، على الأقل في المدى المنظور. فذلك سيكون صعبا لاعتبارات كثيرة أبرزها:

- انهماك هذه الإدارة في حل المشاكل الكثيرة التي ورثتها عن سابقتها الجمهورية، وبالتالي عدم تمتّعها بالوقت الكافي لإقناع العالم بوجهة نظرها الجديدة.

- صعوبة تبنّيها لأي نهج يقلب الطاولة بشكل جذري على النهج السابق، وبالتالي فإنها ستلجأ حتما لتبني سياسة التقدّم التدريجي، الذي سيتطلب بطبيعة الحال شيئا من الوقت لكي تتمكن من تحقيق أي تطور ملحوظ فيها.

- صعوبة حيادها عن القضايا الاستراتيجية الكبرى التي تعتبر مسألة تبنّيها من المقدّسات الأساسية للولايات المتحدة الأميركية، وبالتالي فإن أي حياد عن تحقيق أهداف تلك القضايا سيعتبر بمثابة «خيانة» كبرى للوطن. وتدخل في هذا السياق بلا شك قضايا مكافحة ما يسمى «الإرهاب» بشتى تفاصيله وفق الرؤية الأميركية، الاستمرار في تحقيق التفوق الاستراتيجي على العالم بأكمله من خلال تطوير برامج التسلّح والتمدد العسكري وما شابهه، فرض النظريات الأميركية في كل ما يتعلق بقضايا الصراع العربي ـ الإسرائيلي، بالإضافة بالطبع لكل ما يتعلق بمواجهة المنافسة الاقتصادية الشرسة التي تدور رحاها في العالم حاليا.

وإذا تمادينا في تفاؤلنا في ما يخص ملفات الشرق الأوسط والصراع العربي ـ الإسرائيلي تحديدا، يمكن القول إن الإدارة الديمقراطية الجديدة ستسعى لإحداث نقلة معيّنة على صعيد ما يعتري هذا الملف منذ استلامه من قبل الرئيس جورج بوش، مع أن ذلك سيكون محكوما بسلسلة من النوايا والطموحات، لكن أيضاً بالاعتبارات الاستراتيجية الأميركية ـ الإسرائيلية التي لا يمكن لأي من الطرفين الحياد عنها بأي شكل من الأشكال.

ولهذا، يجب علينا أن لا نتوقع الشيء الكثير، طالما أن الولايات المتحدة بكافة ألوانها وإسرائيل، مصرّتان على النهج المتمادي في إنكاره لحقوق الشعب الفلسطيني وفرض سياسة الأمر الواقع.

انطلاقا مما سبق يحق لنا أن نتساءل عما إذا كانت الفرضية الثانية المتمثلة بإعادة إحياء عالم القطبين وتقاسم النفوذ فيما بينهما، ستساهم في خلق التغيير المنشود؟ وهل أن عودة روسيا إلى دائرة التنافس الدولي ستساهم في خلق حالة جديدة في العالم ستقلب المعايير.

وخصوصا في ما يتعلق بمنطقة الشرق الأوسط، أم أن ذلك سيعيدنا إلى فترة الحرب الباردة سيئة الذكر؟! أي تلك الحرب التي لم تساهم حسب بعض المنظّرين إلا بخلق كثير من المآسي على الصعيد الدولي، وكرّست حسب رأيي وقائع عسكرية وسياسية كثيرة ساهمت بفرض الأمر الواقع في منطقة الشرق الأوسط من خلال دعم نشوء دولة إسرائيل والحفاظ على تفوقها العسكري.

إن مراهنة البعض على نشوء عالم القطبين لا تعتمد على قراءة منطقية للأمور، انطلاقا من حقائق الصراع التاريخي التي أثبتت أن تقسيم العالم بهذا الشكل لم يؤد لإحداث اختراق نوعي في الصراع العربي ـ الإسرائيلي، بل حوّل هذا الصراع إلى مادة دسمة لتجاذب المصالح مثلما كان الحال في مناطق مختلفة حول العالم، في حين أن النتيجة النهائية الفعّالة والواقعية كانت دائما لمصلحة الطرف الأميركي وحليفته إسرائيل، بينما بقيت قضية الشعب الفلسطيني حتى يومنا هذا مليئة بالمآسي والعبر.

لكن يحق لنا كبشر أن نحتفظ ببارقة أمل بسيطة تُشعرنا بأن الإدارة الديمقراطية قد تسعى، في حال استلامها السلطة، للعمل من أجل ترميم ما تسببت به الإدارة السابقة من مآس، وإعادة إحياء الأمل بإمكانية التوصل لتسوية مشرّفة تنعم بها شعوب المنطقة، وهو نفس الأمل الذي قد يكون فارغا من أي مضمون لكنه تولّد ذات يوم عندما كان بيل كلينتون في البيت الأبيض.

بجميع الأحوال، فإن الآتي لن يكون أسوأ من الماثل حاليا. وإذا جرّدنا أنفسنا من أية اعتبارات إيديولوجية مناهضة للولايات المتحدة، نصل لقناعة بسيطة مفادها أن الخسائر والمآسي الكثيرة التي تسببت بها سياسة الرئيس بوش على الصعيدين الاجتماعي والاقتصادي في العالم والولايات المتحدة نفسها، تدعونا للأمل بذلك التغيير المنشود حتماً.

كاتب لبناني

ezzedine@vol.cz