أصبح الفرار من الديمقراطية مرضا سياسيا عربيا، تلمح أعراضه دون عناء كبير في الكثير من الأجندات السياسية العربية، وقد ترافقت عدة أحداث على نحو شبه متزامن لتكشف هذا الانتشار الكبير لمرض الفرار من الديمقراطية. فبينما تبددت الممانعة السورية للضغوط الأميركية للدخول في مفاوضات مع إسرائيل.

لم يتغير الموقف السوري الرافض لكل المطالبات الأميركية بتحسين أوضاع حقوق الإنسان، وبينما الولايات المتحدة تدفع منذ أطلقت مبادرتها «الشرق الأوسط الكبير» ثمنا فادحا من الهجوم الإعلامي والجفاء الدبلوماسي مع بعض أهم حلفائها في المنطقة، بسبب مطالباتها بالتحول الديمقراطي في الشرق الأوسط، يحصد الفرنسيون ومن خلفهم أطراف أوروبية أخرى الثمار منفردين، ويدشنون شراكة متوسطية أقبل عليها الرسميون وامتدحها كثير من غير الرسميين.

الملفت أن الشراكة الأميركية «الشرق الأوسط الكبير» لم ترفض بسبب وجود إسرائيل فيها، لأنها ببساطة موجودة على قدم المساواة في الشراكة العربية الأوروبية المتوسطية، والشيء الوحيد الذي غاب عن المشروع الأوروبي هو الديمقراطية، وهو ما جعل عددا كبيرا من منظمات المجتمع المدني العربية توجه رسالة للرؤساء المجتمعين تنتقد بشدة غياب الديمقراطية.

والمفاجأة الأكثر غرابة أن التوجه نحو أوروبا كشريك للمستقبل، افتقر حتى إلى المعايير النفعية المجردة، فقاطرة الاقتصاد الأوروبي تتراجع بوتيرة ثابتة أمام التقدم الأميركي. صحيح أن هذا ليس السائد في الإعلام العربي المنحاز بشكل كبير ضد كل ما هو أميركي، لكن الدراسات العلمية تؤكده.

نيلز ثايجيسين (أحد أعضاء لجنة ديلورز (Delors Commission) التي أسست اليورو وأستاذ الاقتصاد الدولي بجامعة كوبنهاجن وأحد أعضاء مجموعة سياسات الاقتصاد الشامل التابعة لمركز دراسات السياسة الأوروبية في بروكسيل) كتب قبل أيام تحت عنوان: «الفجوة تزداد اتساعا بين أوروبا وأميركا: برنامج لتفعيل النمو في أوروبا» يقول إن الفشل في تحريك مصالح المستهلك لصالح التكامل الأوروبي أمر محبط، وبصورة خاصة بالنسبة للدول الأعضاء الجديدة التي كانت تتوقع تحصيل بعض الفوائد من انضمامها للاتحاد الأوروبي.

وهو ينقل عن دراسة حديثة قامت بها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) أن مستويات الدخل عند كل فرد في منطقة اليورو، وأيضاً في الدول الثلاث الأكبر في أوروبا القارية ـ فرنسا، وألمانيا، وإيطاليا ـ تقل بنسبة 30% تقريباً عن نظيرتها الولايات المتحدة. ومن المرجح أن تستمر هذه الفجوة في الاتساع مع ازدياد الصورة الديمغرافية لأوروبا قتامة، وإذا ما استمرت الإنتاجية في النمو على نحو أبطأ من نظيراتها في الدول الصناعية الأخرى.

كما أن الفجوة في معدلات تشغيل العمالة مع الولايات المتحدة ليست هي المشكلة الوحيدة التي تواجه أوروبا، فبداية من منتصف التسعينيات تباطأت معدلات نمو الناتج عن كل ساعة عمل، وتشكل العامل الرئيس وراء ارتفاع الدخل عند الفرد في أغلب الدول الأوروبية.

بينما ارتفعت في الولايات المتحدة، فانقلب بذلك نمط ظل سائداً لعقود من الزمان. وفي الفترة ما بين عامي 2000 و2004 ارتفعت معدلات الإنتاجية عن كل ساعة عمل في الولايات المتحدة، بسرعة تعادل مثلي سرعة ارتفاعها في دول منطقة اليورو الكبيرة: 8,2% سنوياً في مقابل ما يزيد قليلاً عن 1%.

ويستطرد نيلز ثايجيسين متسائلا: لماذا إذن عجز الأوروبيون عن المحافظة على التقدم الذي أحرزوه في ما يتصل بإرساء القاعدتين اللتين يقوم عليهما النمو ـ تشغيل العمالة والإنتاجية ـ في آن؟ لقد ثبت أن تحقيق الغايتين معاً أمر ممكن ليس في الولايات المتحدة فحسب، بل أيضاً في دول أخرى متقدمة خارج أوروبا (أستراليا، وكندا، ونيوزيلندا).

والسبب في هذا لا يرجع إلى إنفاق رأس المال، ذلك أننا لم نر اختلافات كبيرة بين الولايات المتحدة والدول الكبيرة في منطقة اليورو في ما يتصل بهذه المسألة. وهذا يجعلنا نفسر الأمر بما يطلق عليه خبراء الاقتصاد «إنتاجية العامل الإجمالي»، وهو خليط من عدة عناصر مهمة، تتضمن النشاط الإبداعي، وتوفر نظاماً مالياً كفؤاً قادراً على خوض المجازفات، فضلاً عن المرونة التنظيمية التي تيسر الانتشار السريع للتقنيات الجديدة.

ومما يدعو للأسف أن عملية الإصلاح انحرفت عن مسارها الصحيح في عام 2005، فأثناء حملة الاستفتاء التي شهدتها فرنسا قبل التصويت على مسودة المعاهدة الدستورية للاتحاد الأوروبي، تم التقليل من شأن القرار المقترح باعتباره انتهاكاً لحقوق العمالة، ورمز إليه البعض بالبعبع المخيف أو «السباك البولندي». والحقيقة أن هذه الهجمات تغافلت عن الحقيقة التي تؤكد أن ذلك القرار يجعل شروط تشغيل العمالة القادمة من الدول الأعضاء الأخرى في الاتحاد الأوروبي، خاضعة في أغلب جوانبها لقوانين الدولة المضيفة.

ويختم نيلز ثايجيسين بنبرة متشائمة: إنه لأمر محزن أن نرى الاتحاد الأوروبي عاجزاً عن الاتفاق على التشريع الوحيد الواضح والذي من شأنه أن يعزز من الإنتاجية، في الوقت الذي ندرك فيه جميعاً أن تحسين الإنتاجية هدف مشترك.والحقيقة أن الفشل في تحريك مصالح المستهلك لصالح التكامل الأوروبي أمر محبط ومخيب للرجاء، وبصورة خاصة بالنسبة للدول الأعضاء الجديدة، التي كانت تتوقع تحصيل بعض الفوائد من انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي.

فإذا كان هذا حال القاطرة الاقتصادية الأوروبية، وإذا كان المشروع الأوروبي شأنه شأن المشروع الأميركي لم يستبعد إسرائيل، فهل يكون هناك تفسير آخر سوى أن الخطوة لها هدف واحد هو «الفرار من الديمقراطية»؟!

كاتب مصري

mmshikh@hotmail.com