هل ستقع الضربة العسكرية ـ الإسرائيلية الأميركية ـ ضد إيران أم لن تقع؟ سؤال حائر قلق يتردد في كل مكان، وما ان يطرح السؤال في أي لقاء حتى ينقسم الحضور إلى فريقين: فريق يستبعد حصول الضربة وهم أغلبية، وفريق يتوقع الضربة وهم أقلية، ولكل فريق حججه ومبرراته التي يحاول إقناع الفريق الآخر بها.
لكن الأغلبية التي تستبعد الحرب الخليجية الرابعة، سرعان ما تتنازع على المبررات والحجج، إذ يذهب قسم منها إلى أن الحرب غير محتملة استناداً إلى حجتين: الأولى، أن الولايات المتحدة عاجزة عن شن حرب جديدة، فهي مثقلة ومنهكة ولا تستطيع اليوم فتح جبهة جديدة، وبخاصة أن الشعب الاميركي قد سئم من إدارته الحالية التي كلفته الكثير على الصعيد الاقتصادي، غير التضحيات البشرية.
وفي كتاب جديد بعنوان «حرب الثلاثة تريليونات دولار» يقرر جوزيف ستيفليتز أن التكاليف الإجمالية لغزو العراق ستلامس سقف الثلاثة تريليونات دولار، مما أدى إلى تراجع الدولار وتعرض الاقتصاد الأميركي إلى كساد وتضخم ليرتفع الدين من (5) إلى (10) تريليونات في السنة المقبلة.
أما الحجة الثانية فهي أن إيران غير العراق وأفغانستان. لقد تعاظمت قوتها وزاد نفوذها إقليمياً ودولياً، وعندها الكثير من الأوراق السياسية التي تستطيع بها إيذاء أميركا. ويستشهد هؤلاء المؤمنون بقدرة إيران العسكرية على ضرب المصالح الاميركية، بالمناورات العسكرية الإيرانية الأخيرة، حيث أطلقت إيران صاروخ «حوت»، وهو أسرع صاروخ تحت السطح في العالم حسب ادعاء الموقع الالكتروني «عصر إيران».
إضافة إلى التقدم الذي حققته إيران في إنتاج صواريخ يبلغ مدى بعضها (350) كم غير «شهاب 3» الذي يبلغ مداه (2000) كم. كما توعدت طهران بضرب (32) قاعدة اميركية في الخليج وقلب إسرائيل، وأن إيران قادرة على غلق مضيق هرمز وقطع إمدادات النفط الخليجية عن العالم، وتحويل المنطقة إلى «جحيم».
في المقابل يرفض القسم الآخر هذه المبررات ويسخر منها، وهم يرون أن إيران لا تخيف اميركا، فالاميركيون قادرون على تدمير الصناعات النفطية وعلى السيطرة الجوية الكاملة وعلى تدمير الحرس الثوري. ويسخر الكاتب الكويتي د. حمود الحطاب من التهديدات الإيرانية في مقال بعنوان «تصريحات متكي موتتنا من الخوف!» نشر في «السياسة» الكويتية.
حيث يقول: «يا متكي إذا ضُربت إيران سيكسر جناحك وظهرك ورأسك، فكيف ستضرب (32) قاعدة وقلب إسرائيل أيضاً بعد أن تصبح كعصف مأكول؟ ماذا ستفعل بالبوارج الحربية وصواريخ كروز وطائرات ستيلث؟ ماذا ستفعل بقوة إسرائيل النووية وقواعدك مكشوفة أمام طائراتها الاستطلاعية؟ تقول إنك ستضرب القواعد، وهل القواعد هذه تنتظر ضربك لها؟ هل القواعد هذه أوكار حمام أو أقفاص دجاج؟».
أما الكاتب الكويتي محمد زين العيدروس فقد كتب مقالة بعنوان «تهديدات شهاب الدين!!» فقال: «من قبل هدد صدام بحرق نصف إسرائيل، والآن تهدد إيران بحرق إسرائيل كلها... وفي أيام المد القومي والثوري وأمجاد يا عرب أمجاد، هدد عبد الناصر بدفن إسرائيل في البحر! وكانت هذه عبارة عن شعارات كاذبة، قصد من ورائها دغدغة مشاعر الناس، والأسوأ من كل ذلك أن هؤلاء الزعماء أصحاب هذه الشعارات يعلمون أنهم لا يستطيعون هش ذبابة!».
ولذلك يرى الخبراء العسكريون أن إيران تبالغ وتخادع في إظهار قوتها، وتجربة الصواريخ الأخيرة تثبت أنها «صور» تم التلاعب فيها أو خِدع فيديو، و«شهاب 3» ما هو إلا مجرد «سكود - سي». ويرى الخبراء أن المناورات والاستعراضات والتهديدات مؤشر على الخوف والضعف، ويقصد بها توجيه رسالة إلى الداخل الإيراني المضطرب.
أما في ما يتعلق بقدرة إيران على غلق هرمز وقطع النفط عن العالم، فإن وفيق السامرائي الخبير في الشؤون الأمنية يستبعد ذلك ويقول: من وجهة النظر الأولية، تتمكن إيران من غلق المضيق لفترة معينة فقط، بسبب تفاوت توازنات القوى وعدم وجود ردع استراتيجي مقابل، وفضلاً عن تفوق القوات الجوية الخليجية تفوقاً ساحقاً على نظيرتها الإيرانية، فإن مغامرة إعاقة إمدادات النفط سيكون المستهدف بها العالم كله، مما يقود إلى استخدام واسع للقوة التقليدية يفوق بحسم القدرات القتالية الإيرانية وأوضاعها الهشة.
دعونا ـ الآن ـ نستعرض حجج من يرجحون الضربة، هؤلاء يقولون إنها دخلت حيز التنفيذ وأن واشنطن أعطت إسرائيل «الضوء الأصفر» لضرب إيران، ومبرراتهم: فشل العقوبات في تخلي إيران عن مشروعها النووي، ورفضها القاطع لأي حوار حوله، ولأن اميركا تريد تحجيم الدور الإيراني المتعاظم في المنطقة، وتريد نظاماً حليفاً في إيران مثل بقية دول الخليج. ويدلل هؤلاء على رأيهم بأن «التهدئة» الجارية على الجبهات الغربية السورية، اللبنانية، الفلسطينية، هدفها تهيئة ميدان المعركة القادمة في الخليج، وتحييد منطقة الشام أو «تبريدها» هدفه ضربة إسرائيلية اميركية لإيران، لأن إسرائيل لا يمكن أن تسكت على حصول إيران على النووي مهما كانت التكلفة.
من الغريب أنه لا أحد من الفريقين، قد راهن على أن هناك «عقلاء» بين الطرفين المتنازعين، سيحتوون الأزمة ويمنعون الكارثة!! والأغرب كما يقول الإعلامي القطري د. أحمد عبد الملك، أن «دول الخليج ـ وهي الهدف الأول لمرمى الصواريخ ـ لم تبد رأياً فيما يدور حولها». ويظل المسؤولون في الخليج يرددون تصريحات مثل «نحن لا نؤيد ضربة عسكرية لإيران ولسنا طرفاً فيها»! ظناً انها تعصم الخليج من ويلات الحرب إذا نشبت!!
وفي ما عدا الكويت التي شكلت فريقاً للطوارئ تحسباً لاحتمالات الحرب، فإن الدول الخليجية الأخرى لم تحرك ساكناً بعد! فهل الأمر لا يعنيها أم اطمئناناً بأنه لا حرب قادمة؟! إيران ستقبل سلة الحوافز السخية، وستعلق مشروعها النووي، الإغراءات كبيرة، وحكام إيران «أعقل» من أن يضيعوا الفرصة الثمينة.
لقد رفضوا في البداية كنوع من التمنع وطلباً لمشاركة الطرف الاميركي في المفاوضات، وهم الآن يبدون ارتياحهم للمشاركة الاميركية، ونجاد ـ اليوم ـ يرحب بمكتب لرعاية المصالح الاميركية ولا يستبعد محادثات مع واشنطن في سبتمبر المقبل حين حضوره اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة. لقد سببت الحالة المتوترة في الخليج نزيفاً من الخسائر للبورصة الخليجية تقدر بـ (20) مليار دولار، وقد آن للخليجيين أن يطمئنوا، ويصيفوا، فإنه لا حرب مقبلة.
كاتب قطري