لماذا تراجعت فجأة، ولو مؤقتا، لهجة التهديد بالحرب والتلويح بمزيد من العقوبات، وتقدمت خيارات الرغبة المتبادلة في التفاوض والدبلوماسية بين إيران من جهة وأميركا من جهة أخرى؟ وماذا تعنيه تصريحات وزيرة الخارجية الأميركية «رايس» الأخيرة المشيرة لتغيير في المقاربة الأميركية لمسألة الملف النووي الإيراني، تأكيدا على الجدية في الخيار الدبلوماسي عشية اجتماع جنيف الثلاثي بين الأوروبي «سولانا» والإيراني «جاليلي»
و..الأميركي «بيرنز» الذي ينضم لأول مرة ولو كمستمع، في تغير لافت في الموقف الأميركي الرسمي من ماراثون التفاوض الدولي الإيراني؟ .. وكيف نقرأ تصريحات وزير الخارجية الإيرانية «متقي» المتفائلة والمتغيرة في أنقرة، بالترحيب بفتح مكتب لرعاية المصالح الأميركية في طهران، بعد التهديد الإيراني بـ «إغلاق» مضيق هرمز وضرب المصالح الأميركية..
و«وصل» خط جوي لما بين واشنطن وطهران، بعد الحديث الأميركي عن «فصل» خطوط التفاوض المباشر مع إيران إلا بعد تعليق التخصيب النووي؟ هل هي استجابة أميركية للوساطة التركية لإيجاد مساحة من الثقة بين طهران وواشنطن، وردود إيرانية إيجابية عليها تسمح بحلحلة العقدة المستعصية بتشدد الجانبين، حول التخصيب والتقدم إلى الأمام نحو خيار الحلول الدبلوماسية بديلا عن الحلول العسكرية،
والانخراط في الحوار بالسياسة بدلا من الانجرار إلى الحوار بالنار، واعتماد التفاوض المباشر بدلا من العقوبات والتهديدات المباشرة وغير المباشرة؟ أم هي استجابة أميركية للتحذيرات الدولية الرسمية الروسية والصينية، والشعبية الأميركية والأوروبية، من مخاطر الإقدام على شن حرب إسرائيلية أميركية على إيران لإعادة إنتاج الفشل والكراهية والمقامرة بخراب العالم، خصوصا على لسان المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية (الحائز على جائزة نوبل للسلام) الدكتور محمد البرادعي الذي هدد بالاستقالة «إذا شنت الحرب المجنونة»،
محذرا بأنها ستحول المنطقة إلى كرة من اللهب؟ وهل هو تلويح أميركي مبطن بالحرب إذا فشلت هذه المفاوضات في الوصول إلى السلام، بالظهور أمام العالم وكأنها فعلت ما تستطيع لإقناع إيران بوقف التخصيب سيرا إلى السلام، لتصبح الكرة في الملعب الإيراني بالمسؤولية عن الحرب؟..
أم هو مؤشر على تغير حقيقي في السياسة الأميركية ولو جاء متأخراً وهي في شهورها الستة الأخيرة، نتيجة لثبوت القناعة لديها بعدم فاعلية الحروب في تحقيق الأهداف أو حماية المصالح، خصوصا بعد ثماني سنوات من الحروب على أفغانستان والعراق ولبنان عبر إسرائيل، التي خلفت الفشل وجلبت الكراهية ولم تنجح إلا في تهديد المصالح لا حمايتها، وتهديد أمن العالم لا تبديد المخاطر المهددة له؟
أسئلة قد تحمل في داخلها بعض الإجابات أو التفسيرات، أو تؤشر من خارجها إلى بعض التحولات أو الاحتمالات! وأخيراً.. هل يعني هذا التغير الإيجابي النسبي في تصحيح الرؤية الأميركية، إن وقع، خسارة لمعسكر المحافظين الجدد بقيادة نائب الرئيس ديك تشيني، لصالح معسكر السياسيين في الإدارة الأميركية بقيادة وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس؟
مراسل صحيفة الاندبندنت البريطانية في واشنطن له رأي في الإجابة عن هذا السؤال، هذا الرأي يتضمنه السؤال الذي عنون به تقريره عن أسباب التحول المفاجئ في السياسة الأميركية تجاه طهران «انقلاب كوندي: كيف خسر المحافظون الجدد الجدل بشأن إيران؟».. وخلص فيه ليونارد دويل إلى أن رايس تحولت في ما يختص بإيران، من خانة الصقور الذين يدقون طبول الحرب بقيادة تشيني، إلى صفوف الحمائم الداعين للدبلوماسية، في ما يشبه الانقلاب!