هل هناك أدنى شك في أن التواطؤ البريطاني الفرنسي لاقتسام العالم العربي عقب الحرب العالمية الأولى كان مؤامرة ضد العرب كأمة؟ وألم يكن العدوان الثلاثي البريطاني الفرنسي الإسرائيلي على مصر عام 1956 جديراً باسم مؤامرة؟ لماذا أذن يسفِّه بعض المفكرين العرب نظرية المؤامرة كقاعدة للتحليل السياسي؟
لنتساءل أولاً عن تعريف المؤامرة؟ أبسط تعريف هو الآتي: تخطيط تواطئي مشترك بين طرفين أو أكثر، بغرض شن عدوان على طرف آخر أو أطراف أخرى. بناء على هذا التعريف يصبح اعتبار التاريخ البشري كله سلسلة متصلة من التآمر. وبما أن الحاضر هو امتداد للماضي والمستقبل، فإن التآمر لا يتوقف. فالحاضر هو «اليوم» .. وعندما يأتي الغد فإن «اليوم» يصير الأمس.
ولذا فإن المثقف العربي لا يحتاج بالضرورة إلى الانكباب على صحائف التاريخ ليدرك صحة نظرية المؤامرة كمنهج للتحليل السياسي. يكفي أن يتأمل وقائع وتطورات العصر الذي نعيشه اليوم، التي لا تنبئ إلا عن عمليات تآمرية لا تنتهي، تخطط لها وتنفذها أجهزة العمل الدبلوماسي والوكالات الاستخباراتية لدول العالم على اختلاف توجهاتها وقدراتها.
الذين يرفضون صحة نظرية المؤامرة في التحليل السياسي، يستندون إلى أنها منهج للتشكك بلا دليل علمي.. وبالتالي لا يلجأ إليها سوى العاجزين عن إقامة الحجة الإثباتية القطعية. لكن النظر على هذا النحو خاطئ من أساسه. نعم.. إعمال نظرية المؤامرة ينطلق ابتداءً من منهج التشكك لدى فحص واقعة ما، لكن على أن تكون هذه الخطوة الابتدائية نقطة الانطلاق للبحث عن أدلة، مع بقاء الذهنية في حالة تشكك على طول الخط وإلى أن يثبت العكس.
وافتراض الشك الابتدائي في هذه الحالة لا ينطلق من فراغ، فنحن أصلاً نتعامل مع واقع عالمي قذر وشرير، لأنه واقع قائم على أساس غلبة الغرائز البشرية، وفي مقدمتها الأنانية، وليس غلبة المثاليات الأخلاقية. تأسيساً على ذلك فإنه إذا كان التآمر بقصد عدواني جريمة، فإن التآمر المضاد بغرض الدفاع عن النفس أو استرداد حقوق مشروعة سلبت ليس كذلك.. بل هو في هذه الحالة واجب.. والانصراف عنه جريمة في حق الذات.