هل هو محلل صحافي أم مفكر فلسفي؟ إذا كنت من المتابعين لحلقات برنامج «مع هيكل» التي تبثها قناة «الجزيرة»، فانك لن تملك إلا أن تصنف محمد حسنين هيكل كمؤرخ سياسي.

من داخل مؤسسة السلطة كان هيكل هو المستشار السياسي الأعظم الذي صاغ خطاب استقالة الرئيس جمال عبدالناصر في التاسع من يونيو 1967. وهو الذي ألف عدة كتب مرجعية عن عهد السلطة الناصرية، من أبرزها «عبدالناصر والعالم»، باعتباره المستشار السياسي الأول لذلك الزعيم العربي الفذ الذي لم يتكرر منذ رحيله في عام 1970.

هيكل ليس إذن مؤرخاً سياسياً نظرياً عادياً. إنه يتكلم ويكتب كشاهد على عصره من موقع متميز. ورغم علاقته اللصيقة بعبدالناصر على ما يقارب عقدين، فانه ليس مؤرخاً. متحيزاً، بدليل أنه حتى خصوم عبدالناصر من المفكرين الغربيين واليهود ينظرون إليه باحترام.

يقولون إن هيكل في مجال فن الكتابة الصحفية هو المعادل لأم كلثوم في الفن الغنائي الراقي. لكن إذا كان المثقفون العرب لم يختلفوا حول فرادة أم كلثوم الغنائية، وفي مقدمتها الصوت الفريد الذي يتكون من عدة طبقات متنوعة ومرنة، ومقدرة إعجازية على التعبير الصوتي لمختلف الانفعالات الوجدانية، مع موهبة ذوقية نادرة في التعبير عن الأخيلة الشعرية، فانهم يختلفون حول السبب الذي جعل من هيكل الكاتب المؤرخ الأول في العالم العربي، على امتداد ستة عقود زمنية تبدأ في النصف الأول لعقد الخمسينات من القرن الماضي.

البعض يقولون إن ما يتفرد به هيكل هو الأسلوب الذي يجمع في آن معاً بين جمال السبك اللفظي والدقة، بينما يشير البعض الآخر إلى قدرة هيكل الفريدة في التحليل الموضوعي بالطريقة العلمية. ومع عدم اعتراضي على أي من هاتين الرؤيتين، إلا أني أرى أن هناك أربعة أسباب أخرى: أولاً أن هيكل لم يعرف عنه عمالة قذرة لحساب أي نظام أو تنظيم.

ثانياً أنه عرف بالنزاهة في السرد المعلوماتي والحيدة في التحليل. ثالثاً انه ذو عقلية نافذة وبصيرة باهرة سواء في التعامل السردي مع الحقائق أو تحليلها.

وما كان لهيكل أن يسمح لنفسه بقبول منصب رسمي كمستشار سياسي للسلطة، لو أنه لم يجد في عبدالناصر زعيماً ذا رؤية وطنية انفتاحية ومتحررة وموضوعية تجاه ما يجري في ساحة الصراع الدولي.

opinion@albayan.ae