بعد أن قدم المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية في الأسبوع الماضي تُهماً ضد الرئيس السوداني عمر البشير إلى قضاة المحكمة المختصين بالنظر في قضية الانتهاكات التي تحدث في دارفور، برز صيت المحكمة الجنائية الدولية من جديد؛ فالخبر الرئيسي للنشرات الإخبارية التلفزيونية والإذاعية والصحف السياسية لا يكاد يبتعد كثيراً عن هذه الدعوة.
حيث انه ولأول مرة تنظر المحكمة الجنائية الدولية في دعوة موجهة ضد رئيس دولة على رأس الحكم في بلاده. فبين مؤيد ومعارض تدور هذه الأيام دائرة النقاشات حول هذه الدعوة وحول المحكمة ذاتها. فيا ترى هل تستحق المحكمة الدولية الدعم في سبيل تحقيق هدفها الذي وضعت من أجله؟
لقد أنشئت المحكمة الجنائية الدولية رسمياً في الأول من يوليو عام 2002، حيث دخل إلى حيز التنفيذ في ذلك اليوم نظام روما الأساسي الموقع في السابع عشر من يوليو عام 1998 من قبل مؤتمر الأمم المتحدة الدبلوماسي للمفوضين المعني بإنشاء المحكمة الجنائية الدولية.
ومنذ انطلاقتها كنا من المؤيدين لإقامة مثل هكذا محكمة ومن المؤيدين للصياغة التي قامت على أساسها؛ فالمحكمة الجنائية الدولية أنشئت كي تكون محكمة دائمة ومستقلة تحاكم الأشخاص المتهمين بأخطر الجرائم ذات الاهتمام العالمي، كجرائم الإبادة والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب والذين لا يجدون من يردعهم عن أعمالهم تلك، وهو هدف نبيل يستحق الدعم وكنا وما زلنا نقف وراءه.
تضم المنظمة في عضويتها حتى يومنا هذا 106 دول، منها ثلاثون دولة إفريقية، ثلاث عشرة دولة آسيوية، ست عشرة دولة أوروبية شرقية، اثنتان وعشرون دولة أميركية لاتينية وخمس وعشرون دولة أوروبية غربية وغيرها. تنظر المحكمة في الجرائم التي تقع في حدود الدول الأعضاء الموقعة على نظام روما الأساسي.
أو من خلال طلب مجلس الأمن منها النظر في مواضيع معينة كما هو الحال مع موضوع دارفور حيث الدعوة المرفوعة ضد الرئيس السوداني عمر البشير. الدول العربية ـ باستثناء الأردن ـ كانت وما زالت حذرة من المحكمة، لذلك لم يصادق على نظام روما الأساسي من الدول العربية سوى الأردن.
فيما بقيت جميع الدول العربية الأخرى خارج المحكمة رغبة منها في عدم إعطاء المحكمة أية فرصة أو إمكانية لمحاكمة أفرادها ومسؤوليها، أو زج نفسها في مشكلات مع دول أخرى بسبب تطبيق بنود نظامها الأساسي لا سيما المتعلق بضرورة إلقاء القبض على كل من تصدر بحقه مذكرة إلقاء قبض من قبل المحكمة. اليوم تعيش القيادة السياسية في الدول العربية حالة من التوجس من إمكانية تكرار ما حدث للرئيس السوداني لأي رئيس عربي آخر.
فالدول غير المصادقة على نظام روما الأساسي، كالدول العربية والصين والهند وباكستان وروسيا وإسرائيل والولايات المتحدة، كلها دول أصبحت تخشى الانضمام لهذه المحكمة، إدراكاً منها أن هناك مجالات مفتوحة للمحكمة كي تجد طريقها إلى عناصر وقيادات مثل تلك الدول في حالة انضمامها.
لا أحد يستطيع أن ينكر أن هدف هذه المحكمة هو هدف نبيل يقضي بحماية الإنسانية من عبث المتهورين والمجرمين المحتمين بغطاء أنظمتهم السياسية، لذلك لم يكن غريباً أبداً أن نجد دولاً كالولايات المتحدة وإسرائيل تُبعد نفسها عن المحكمة الجنائية الدولية بل وتستمر في توجيه الانتقادات اللاذعة لها، إدراكاً منها بخطورة التفويض الذي يمكن أن تتمتع به المحكمة إذا ما حصلت واشنطن وتل أبيب على العضوية الكاملة من خلال المصادقة على نظامها الأساسي.
لكن مصداقية هذه المحكمة تقف اليوم على المحك، فهي توجه تهمها إلى الرئيس السوداني رغم أن السودان بلد ليس مصادقاً على النظام السياسي للمحكمة أي ليس عضواً فيها، الأمر الذي يجعل تحرك المحكمة قائماً على صبغة سياسية قائمة على أساس رغبة الدول الغربية الكبرى الأعضاء في مجلس الأمن معاقبة النظام السياسي في السودان على ما يحدث في دارفور.
فكيف يمكن لنا كمتابعين وكيف يمكن للأنظمة الرافضة للمحكمة، أن تثق في مصداقية تنفيذ هدف هذه المحكمة بشكل نزيه وبعيد كل البعد عن الانحياز وهي ترى المحكمة تجري وراء مجرمي حرب في دول ضعيفة كأوغندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية وجمهورية إفريقيا الوسطى ـ وهي دول أعضاء في المحكمة ـ وفي السودان ـ وهي دولة ليست عضواً ـ وتترك مجرمي حروب ومرتكبي جرائم ضد الإنسانية في إسرائيل بل والولايات المتحدة وروسيا والصين، من دون أن ترفع ضدهم دعوات من أي نوع؟!
هذا لا يعني أننا لسنا مع متابعة ومحاكمة كل مجرم أينما كان، لكننا ضد أن تعامل الدول بأسلوب الكيل بمكيالين حيث يواجه مسؤولو دولة ما المتابعة والمحاكمة، فيما ينعم مسؤولو دول أخرى ارتكبوا أفظع الجرائم في حق البشرية بحرية العيش والانتقال.
لقد بدأت الولايات المتحدة تدرك اليوم أهمية المحكمة الجنائية الدولية بعد أن كانت تنتقدها، نظراً لإمكانية استخدامها كورقة في مواجهة العديد من الأنظمة التي تحاول الولايات المتحدة مواجهتها، لذلك فإن الحديث الدائر في الولايات المتحدة اليوم يقوم على ضرورة أن تنضم الولايات المتحدة إلى المحكمة، ومن المتوقع أن يكون هذا الموضوع من المواضيع المهمة التي سيتناولها الرئيس والكونغرس الأميركي الجديدان في عام 2009، لا سيما وان الولايات المتحدة عملت على توقيع اتفاقيات مع العديد من الدول، وخاصة تلك التي توجد على أراضيها قواعد عسكرية وجنود أميركيون، تمنع عليهم تسليم جنودها وأفرادها وقياداتها إلى أي جهة كانت، مما يُصعب عمل المحكمة ضد رعايا الولايات المتحدة.
فالمحكمة التي حملت هدفاً نبيلاً وكنا مع نشأتها، غدت غير قادرة على تحقيق هدفها ذلك في كل مكان، بل أصبح الأمر أن هناك دولاً تستطيع المحكمة العمل من خلالها ودول أخرى لا تستطيع أن تصلها، الأمر الذي يجعل المتابعين للمحكمة وحتى أولئك الذين يرحبون بهدف إنشائها، يجدون أن السياسة غدت هي أحد المحركات الأساسية والمهمة لعمل المحكمة، مما يجعلها تقع في دائرة التمييز والتحيز للبعض على حساب البعض الآخر؛ فلا مصداقية لمثل هكذا محكمة في ظل نظام لا يخدم سوى التحيز للبعض على حساب الآخر، فهل سيحمي القضاة الثلاثة المختصون بالنظر في الدعوة الموجهة ضد الرئيس السوداني بعضاً من مصداقية المحكمة؟
كاتب اماراتي