كتبت في الأسبوع الماضي عن »باريس عاصمة المتوسط«، واليوم أكتب عنها كـ»مركز للدبلوماسية الكونية«. »التصعيد« إذن واضح، لكن له ما يبرره.
ثلاثة وأربعون رئيس دولة وحكومة التقوا في العاصمة الفرنسية حول الرئيس نيكولا ساركوزي. كانت البهجة بادية على وجهه وهو يرى قادة بلدان حوض البحر الأبيض المتوسط يلبّون دعوته لحضور القمة الأولى للاتحاد من أجل المتوسط. الرئيس الليبي معمّر القذافي كان الاستثناء الوحيد.
وكان الرئيس ساركوزي سعيدا وهو يجمع تحت »خيمته« في ساحة الكونكورد، وسط العاصمة باريس، ذلك الحشد من القادة. لقد نجح خاصة في أن يجمع تحت سقف واحد الرئيس السوري بشار الأسد والرئيس اللبناني ميشيل سليمان ورئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس ورئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت. هذا الأمر له دلالاته الرمزية، ويمكن أن يكون له ثمن في »بورصة« السياسة.
لا شك أن الرئيس السوري بشار الأسد كان »نجم« يومي القمّة المتوسطية والاحتفال بالعيد الوطني الفرنسي. لقد كان مثار اهتمام كبير من قبل وسائل الإعلام الفرنسية والعالمية. القناة التلفزيونية الفرنسية الثانية »الرسمية« أجرت معه مقابلة نشرتها الإخبارية الرئيسية، وكذلك فعلت قناة »بي إف إم« الإخبارية، وأيضا قناة الجزيرة. وكانت صحيفة »الفيغارو« قد أجرت معه مقابلة مطوّلة وتصدّرت صورته الصفحة الأولى عشية وصوله إلى فرنسا.
تلفزيونات العالم كلّه نقلت الأخبار والصور. وليس من المبالغة القول إن القمّة كانت أيضا »إعلامية«. وهناك من وصل بهم الأمر إلى القول إن »الإعلام في المعركة« المتوسطية ضد جميع أشكال التزمت والاستبعاد.. ومن أجل الانفتاح على الآخر وثقافاته..
وفي الواقع الانفتاح على العصر وعلى المستقبل. وهذا هو أصلا ما قيل وتردد في قمة المتوسط بباريس. والرئيس ساركوزي هو صاحب الجملة القائلة: »لن يكون البحر المتوسط طليعة الحضارة العالمية إلاّ إذا عرف كيف يمزج بين البشر المحيطين به وبين أفكارهم«.
ما قيل جميل، ولكن كيف سيتم »إعرابه« على صعيد الواقع؟ هذا هو المهم. ويبقى الرهان الحقيقي هو ترجمة ما شهدته قمة باريس المتوسطية من أقوال »بليغة«، إلى أفعال ملموسة على أرض الواقع.
إن المعطيات التي ينمّ عنها المشهد القائم اليوم فيها ما يشير إلى إمكانية التقدّم، ولكن فيها أيضا ما يثير الشكوك حول وجود أفق مستقبلي مفتوح أمام المسار التوحيدي من أجل المتوسط.
لا شك أن الرئيس ساركوزي عندما أعلن يوم 13 يوليو الجاري الولادة الرسمية للاتحاد من أجل المتوسط، قد حقق »إنجازا« جديدا في المشروع الذي قال به منذ أن كان مرشحا، وأراد أن يحدد له »خطة طريق« مستقبلية أثناء القمة.
وبغضّ النظر عن الصيغ التي تمّ التعبير بها، يمكن القول إن ثلاثة ملفات أساسية هي التي تسعى بلدان شمال المتوسط الأوروبية إلى تحقيقها عبر الاتحاد من أجل المتوسط.
وتتعلّق بالأمن، بالمعنى الدقيق للكلمة وعبر التعاون الوثيق بين مختلف الأجهزة الأمنية المتوسطية؛ وبالتبادل التجاري الذي كان دائما مشروعا أوروبيا »ثابتا« منذ قرون على الأقل؛ وثالثا بالحد من موجات الهجرة »المهددة« القادمة من الجنوب، ولا بدّ بالتالي من وجود »حاجز« مضمون الفعالية.
على صعيد هذه الملفات الثلاثة يمكن أن تلتقي مصالح »النخب السائدة« في الشمال والجنوب، مما قد يتجسّد في تحقيق تعاون متوسطي فعلي حولها. مفاهيم العولمة الليبرالية يمكنها أن تشكل »السند الإيديولوجي« لذلك التلاقي في المصالح. هذا فضلا عن أنه ليست هناك خلافات »مبدئية« فيما يتعلّق بالبيئة وغيرها.
ولعلّ السياق الدولي الراهن قد يكون ملائما لـ»تلطيف« المناخ المتوسطي، لا سيما إذا كان هناك ما »يشبه اقتسام النفوذ« حول منطقة الشرق الأوسط، بحيث يكون لأوروبا »الأولوية« في حوض المتوسط. وكإشارة، كانت الولايات المتحدة قد »باركت« الخطوة المتوسطية للرئيس ساركوزي، الصديق الموثوق به.
أمّا ما يثير الشكوك حول مستقبل الاتحاد من أجل المتوسط، فلعلّه بدأ بالتردد حيال صياغة البيان الختامي لقمة باريس، خاصة في ما يتعلّق بغياب المرجعيات الأساسية للسلام في الشرق الأوسط، مثل مؤتمر مدريد لعام 1991 وغيره. لم تغب المرجعيات فقط، وإنما غابت »الضمانات« أيضا.
كانت مسألة السلام في الشرق الأوسط بمثابة الامتحان الذي »سقطت فيه« جميع المشاريع المتوسطية السابقة. وهناك خلل آخر مرشح للتفاقم بين ضفتي المتوسط خلال العقدين القادمين، وهو يخص المسألة الديمغرافية. بلدان جنوب المتوسط سوف تعرف زيادة بحوالي مئة مليون نسمة كما تدلّ المصادر المختصّة، وبلدان شمالها سيراوح عدد سكانها في مكانه بأفضل الأحوال.
وفي ظل غياب مشاريع تنموية حقيقية وإيجاد ملايين فرص عمل في الجنوب، سيحاول كثر من شبابه الوصول إلى أوروبا ولو سباحة، مهما كانت حواجز منع الهجرة »الرسمية« عالية وكتيمة.
ثم ماذا سيكون موقف بلدان الاتحاد الأوروبي غير المتوسطية؟ لم يتأخر رد فعل البعض. نائب رئيس وزراء الجمهورية التشيكية الكسندر فودرا، كان صريحا عندما قال: »هذه السنة هي متوسطية، أمّا السنة القادمة فستكون أوروبية شرقية«. الجمهورية التشيكية ستتولى رئاسة الاتحاد الأوروبي اعتبارا من مطلع العام القادم 2009 ولستة أشهر لاحقة.
ولوحظ أيضا أن انجيلا ميركل قد تصرّفت وكأنها »غير موجودة«، قبل قمة باريس وأثنائها وبعدها. لكن لا شيء يسمح بالقول إنها ستبقى كذلك إذا تابع الرئيس ساركوزي اندفاعه »المتوسطي«. ووزير الخارجية السويدي، بعد أن حيّى »المبادرة المتوسطية الشجاعة«، لم يتردد في القول إن الاتحاد المتوسطي »لن يغيّر العالم بين ليلة وضحاها«.
ولعلّ السؤال الكبير ـ الأكبر؟ـ يتعلّق بالتطورات التي سوف يشهدها الموقف الأميركي حيال المشروع المتوسطي المعني؛ وذلك بعد وصول إدارة أميركية جديدة بعد أشهر قليلة. لا شك أن واشنطن تمتلك »أدوات« ولديها »أصدقاء« تعتمد عليهم في حوض البحر الأبيض المتوسط، وبالتالي يمكنها أن تكون قوة »متوسطية« فاعلة في تحديد المسارات السياسية »إذا اقتضى الأمر ذلك«.
صحيح، كانت باريس هي مركز الدبلوماسية الكونية قبل أيام، وصحيح أن رؤساء الدول والحكومات الذين حضروا قمّة باريس المتوسطية قد وقّعوا بـ»الإجماع« على البيان الختامي.. لكن ماذا بعد نهاية »العيد«؟!
