يعتبر التئام وزراء الخارجية العرب في القاهرة ، فرصة هامة للتصدي لقرارات المحكمة الجنائية الدولية ، وتفنيدها ، في ظل عدم حيادية هذه القرارات وطابع التسييس والانتقائية التي تطغى عليها ، خاصة في ظل أن السودان غير موقع على اتفاقية روما ، التي انبثقت عنها المحكمة ، وبالتالي فهو مستثنى من قراراتها ، ولا تنطبق على الدول غير الموقعة على الاتفاقية هذا اولا اما ثانيا: فان رؤساء الدول محصنون كما اكد ذلك امين عام جامعة الدول العربية عمرو موسى خشية ان تؤدي قرارات المحكمة إلى اثارة البلبلة والارتباك وتشجيع بعض الاطراف على مناوأة النظام او التنصل من الاتفاقات المعقودة.

ردود الفعل التي اثارها اتهام المدعي العام للرئيس السوداني ، والمطالبة باصدار مذكرة توقيف بحقه ، اكدت عدم نزاهة وحيادية القرار ، فعلاوة على ما ذكرنا ، فان المدعي العام لم يزر دارفور ، وبنى احكامه غيابيا ، بناء على ادعاءات اطراف معادية للسودان ، وفصائل ثبت ارتباطها بجهات خارجية معادية.

ومن ناحية اخرى فالقرار لا يسهم في استقرار الاوضاع في دارفور ، بل من المحتمل أن ينسف كل الجهود التي بذلت على مدى الفترة السابقة لتحقيق الأمن والاستقرار وأدت إلى استقدام قوات حفظ سلام دولية وأفريقية ، وكان لجهود الرئيس البشير الأثر الكبير في تحقيق هذا الإنفراج بالموافقة على اعطاء كل التسهيلات للقوات الأممية والمنظمات الانسانية لإغاثة لاجئي دارفور.

ومن هنا ، وتأكيداً لما أشرنا اليه ، وفور صدور اتهام المدعي العام غادر مائتان وسبعون موظفا من أفراد الأمم المتحدة العاملين في المنطقة ، خوفاً من الآثار السلبية للقرار ، والتداعيات الخطيرة التي قد تنشأ ، وتؤدي إلى تفجير الأوضاع ، واشتعال حرب أهلية قذرة تمتد آثارها إلى دول الجوار ، وهذا ما حذرت منه الصين وروسيا ، بإعتبار أن اتهام المدعي العام «غير مدروس» ويؤدي إلى نتائج عكسية ، تضع السودان كله في عين العاصفة.

وفي هذا السياق فإن القرار المذكور يعتبر قراراً سياسياً انتقائياً بامتياز ، في ظل عدم توجيه اتهامات لنظام مثل اسرائيل ، دأب على ارتكاب جرائم حرب وابادة ضد الشعب الفلسطيني ، ولا تزال آثار هذه الجرائم وتداعياتها وشهودها وضحاياها حاضرين.. من أمثال جريمة صبرا وشاتيلا ، ومخيم جنين ، وقتل الأطفال الابرياء في غزة.. الخ. وجرائم الاحتلال الاميركي في العراق ، حيث لا تزال صور التعذيب المخيفة التي قارفها جنود المارينز ضد سجناء ابوغريب ماثلة أمام العالم كله ، لم تستطع لبشاعتها وهولها أن تغادر الذاكرة الانسانية.. فاذا اضفنا إلى كل ذلك ثروات السودان النفطية وامكاناته الزراعية الهائلة ، تتضح الصورة اكثر ، وتطل الأطماع الدولية برأسها حتى نكاد نلمسها لمس اليد.

مجمل القول: أن الدبلوماسية العربية مدعوة اليوم واكثر من أي وقت مضى للتصدي إلى نوع جديد من الحروب ضد العرب ، يبدأ بادعاءات المحكمة الجنائية ، ويستهدف تحقيق ما لم تحققه الحرب ، بتفجير الأوضاع الداخلية والحروب الاثنية والقبلية ، ما يعطي الدول الطامعة الفرص للتدخل وبسط الهيمنة والسيطرة تحت ستار الفوضى غير الخلاقة.