لم تكن المفارقة قاصرة على التباين بين المشهد في لبنان وهو يستقبل أسراه العائدين ورفات الشهداء وسط أجواء الانتصار، والمشهد في إسرائيل حيث مشاعر الخيبة والمهانة وهي تستسلم لشروط «حزب الله» وتقدم دليلاً جديداً على مدى الهزيمة التي لحقنها في حرب يوليو «تموز» قبل عامين..
لكن المفارقة كانت تمتد لتشمل مشاهد عربية أخرى من فلسطين إلى العراق إلى السودان إلى غيرها، تحتاج جميعها ممن يمسكون بزمام الأمور (إذا كان هناك من يمسك بها!!) إلى استيعاب الدرس وتصحيح المسار، إذا كنا بالفعل راغبين في نقل الأمة كلها من مرحلة الانكسار إلى مرحلة الانتصار، في كل معاركنا من أجل التحرير والبناء والتقدم.
في بيروت.. كان لبنان كله في استقبال أسراه المحررين ورفات شهدائه وشهداء العرب الأبطال. توارت الخلافات الحزبية والانقسامات الطائفية ليتوحد الجميع في لحظة رائعة في تاريخ الوطن. كان الكل يحتفل بانتصار المقاومة اللبنانية، وليس بانتصار حزب أو فصيل أو طائفة.. انه النضال الطويل الذي بدأ مع الحركة الوطنية، قبل أن ينشأ حزب الله نفسه بسنوات طويلة، والذي تم استكماله بعد ذلك مع المقاومة الإسلامية.
وسمير القنطار نفسه كان حين وقع في الأسر يقود عملية تحمل اسم الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، وهاهو يعود للوطن بعد نضال قاده حزب الله وشارك فيه لبنان كله. ورغم كل ما حدث في الفترة الأخيرة من خلافات داخلية وانقسامات هددت وحدة لبنان، ومناورات خارجية لزرع الفتنه..
ها هو لبنان يخرج من أزمته ويقف صفاً واحداً في استقبال أسراه المحررين ورفات شهدائه، يحتفل بالنصر الذي دفع الجميع ثمنه، ويبدأ مرحلة جديدة نرجو أن تثبت فيها كل الأطراف أن ما جمعته المقاومة ودماء الشهداء وتضحيات الأسرى لن تفرقه الخلافات.
على الجانب الآخر كان طبيعياً أن تشعر إسرائيل بالخيبة والانكسار، ليس فقط لان ما حدث هو إقرار بالهزيمة في حرب لبنان الأخيرة، ولكن لأنها أمام حلقة جديدة وخطيرة في مسلسل تآكل قوتها على الردع وإملاء الشروط.. فها هو لبنان الصغير يفرض ما يريد في صفقة تبادل الأسرى، ويضع قواعد جديدة في الصراع المستمر.
لكن ما يلفت النظر هو المحاولة الخائبة من جانب قادة إسرائيل بالتركيز على «إنسانية» الكيان الصهيوني الذي يضحي من أجل استعادة قتلاه، وبين ما يسمونه ب«ثقافة الموت» التي تحكم المقاومة اللبنانية والعربية والتي تجعلها تستقبل رفات الشهداء في احتفالات بالانتصار، وليس بالحزن الذي غرقت فيه إسرائيل! ويصل الأمر بالرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز بوصف الأمر بأنه «عار للبنان»!!
وبيريز «بطل» مذبحة قانا هو كغيره من قادة إسرائيل السفاحين.. آخر من يتحدث عن الإنسانية. فالنازيون الجدد الذين ارتكبوا من المذابح ما يستحق المحاكمة الدولية كمجرمي حرب هم العار نفسه.
أما احتفالنا بعودة الأسرى ورفات الشهداء فهو احتفال بالحياة وليس الموت، فهؤلاء لم يضحوا ولم يقاتلوا إلا من أجل تحرير الوطن.. لم يغتصبوا أرضاً، ولم يطردوا شعبا من أرضه، ولم يرتكبوا شيئاً من الأعمال «الإنسانية!!» التي قام بها بيريز وغيره من السفاحين الصهاينة، من دير ياسين إلى قانا وصبرا وشاتيلا.
ولا أريد أن يستغرقنا المشهد على الجانب الإسرائيلي في لحظة انتصار عربي، فالأولى بنا أن نضع اللحظة أمام عيوننا ونحن نواجه التحديات الهائلة في أكثر من قطر عربي، ثم نسأل أنفسنا: لماذا انتصرت المقاومة في لبنان رغم كل التناقضات التي يحتويها الواقع اللبناني..
بينما ما زالت المقاومة الفلسطينية رغم طول المسيرة ونبل التضحيات تفتقد الوحدة وينتهي بها الأمر إلى المشهد المأساوي الذي تعيشه الآن، في ظل انقسام حقيقي يهدد بأفدح الأخطار؟ وهل يمكن أن يكون دم مليون عراقي هو الثمن الذي يدفع الفرقاء في العراق المنكوب لتوحيد الصف من اجل تحرير الوطن واستعادة العراق العربي الموحد؟
وأين مشهد لبنان الموحد (رغم الخلافات والاختلاف) في يوم النصر، من مشهد السودان الشقيق وهو يواجه المجهول؟ وهل تكون الأزمة الأخيرة الخاصة بمذكرة التوقيف التي أصدرها المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية أوكامبو بحق الرئيس السوداني عمر البشير، فرصة لتوحيد الصف لمواجهة الموقف في ظل جهد حقيقي للمحاسبة الذاتية على ما وقع من أخطاء، كخطوة أساسية لاستعادة الوحدة الوطنية ووقف نزيف الدم وإيقاف الكارثة التي تهدد السودان؟
وبالمناسبة.. كان الأستاذ محمد فايق، السياسي المصري والأمين العام السابق للمنظمة العربية لحقوق الإنسان، ضمن البعثة الدولية التي ذهبت إلى السودان لتقصي الحقائق والتي ضمت عدداً كبيراً من ابرز خبراء القانون الدوليين، وقدمت تقريرها للأمم المتحدة.
وقد أكد لي الأستاذ فايق أن التحقيقات لم تثبت وقوع جرائم إبادة، ولكن هناك جرائم وقعت من كل الأطراف وكانت المحاسبة عليها ضرورية، ولو تمت هذه المحاسبة من جانب السلطات السودانية من خلال محاكمات عادلة لتجنب السودان الكثير مما يواجهه الآن.
نعم.. هناك تجاوز في اتهام الرئيس السوداني، وهناك خطأ في توصيف ما حدث بأنه «إبادة جماعية».. ولكن هناك جرائم وقعت، وهناك أطراف متورطة، وهناك محاسبة لم تتم، وهناك ضرورة لتصحيح شامل في المسار، يفتح الباب لكي نأمل بيوم يحتفل فيه السودان الموحد بانتصاره على النفس حتى يستطيع الانتصار على الأعداء.
كاتب مصري
