عندما يغضب السودانيون إلى هذا الحد حيال قرار مدعي عام المحكمة الجنائية الدولية بإصدار مذكرة دولية لاعتقال الرئيس عمر البشير، فان هذا أمر مفهوم تماما. وعندما تعلن جامعة الدول العربية على لسان أمينها العام عمرو موسى أن التعامل مع قرار مدعي عام المحكمة »ينبغي أن يرتكز إلى المبدأ القانوني المتعلق بحصانة رؤساء الدول« والى »اعتبارات سياسية تتعلق بالأزمة في دارفور«، فهو لم يجانب الصواب.

وعندما يطالب »اللقاء الإفريقي للدفاع عن حقوق الإنسان« المحكمة الجنائية الدولية أن تكون أكثر إنصافا في تحقيقاتها، وان لا تغض النظر عن زعماء الدول الكبرى«، وتناشد »قضاة المحكمة أن يكونوا أكثر إنصافا كي لا يتبين أن هناك ازدواجية في معايير العدالة القضائية الدولية« فهي (المنظمة) محقة تماما.

وإذا ما تعلق الأمر بالسودانيين والعرب والأفارقة، فهم سيتذكرون جيدا تلك المساعي الحثيثة التي بذلت في عواصم أوروبية لإجهاض محاولة لتقديم زعيم آخر للعدالة الدولية، هو رئيس وزراء إسرائيل السابق أرييل شارون، أمام القضاء البلجيكي لمساءلته عن مسؤوليته المثبتة في تقرير قضائي إسرائيلي عن مجزرة صبرا وشاتيلا في العام 1982. بإمكان المتحمسين في أوروبا لمحاكمة البشير أن يقدموا ما شاؤوا من المبررات والذرائع، لكنهم لن يستطيعوا أن يغيروا شيئا في الشعور المتأصل في هذه المنطقة من العالم وفي العالم الثالث عموما، بانتقائيتهم ومعاييرهم المزدوجة.

إن قرار المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية هو من ذلك النوع الذي يدفعنا للمفاضلة بين أولويات سياسية بالدرجة الأولى، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالسودان.

وهي المفاضلة التي لم تفت صحيفة »ذي اندبندنت« البريطانية التي قالت الأربعاء 16 يوليو في افتتاحيتها: »إن الرضى المعنوي في أروقة المحكمة الدولية بلاهاي في هولندا، لن يفعل الشيء الكثير بالنسبة إلى من يموتون في دارفور، بل قد يكون له أثر عكسي؛ فالنظام في الخرطوم قد يرد بتوجيه سيل من الانتقادات إلى من يصفهم بأنهم مضطهدوه في الغرب، وبالتالي يرغم الأمم المتحدة على سحب موظفيها غير الأساسيين من السودان ويجبر المنظمات الخيرية على تقليص أنشطتها الإنسانية هناك«. (موقع بي بي سي).

ورغم عنوانها التحريضي »لا تتركوه يفلت من العقاب«، فان صحيفة »ذي غارديان« البريطانية أيضا تطرح شكوكا إضافية حول الجدوى من قرار مدعي عام محكمة الجنايات الدولية. فهي تتساءل »هل توجيه الاتهام إلى الرئيس السوداني سيطلق عملية السلام في دارفور ويبعث فيها الحياة، أم أنه سيحكم عليها بالفشل النهائي؟«. (المصدر السابق).

هكذا، لم يجد هذا القرار سوى نوعين من ردود الفعل، الرفض والتشكيك، وهو ما دفع بعض المعلقين للقول انه قد يكون خطوة نوعية من الضغط لدفع حكومة السودان إلى تحقيق تقدم في معالجة أزمة دارفور. هذا وارد جدا، مثلما هو وارد أن يدفع هذا القرار الحكومة السودانية نحو مزيد من التشدد، وبالتالي التأثير بعمق على مسار السلام داخل السودان نفسه. وأول من التقط هذا الاحتمال هم الجنوبيون الذين رأوا أن القرار قد يؤثر على السلام الهش داخل السودان نفسه.

لكن ألا يذكركم هذا الضجيج بزعيم آخر وبلد عربي آخر؟ انه يذكرنا حتما بالرئيس العراقي الراحل صدام حسين، والقصة هي نفسها رغم فوارق التفاصيل: »المسؤولية الذاتية«. أو بعبارة أخرى »سجل الحكم الداخلي وعلاقة العالم به«.

لماذا اندلعت أزمة اسمها أزمة دارفور بالأساس؟ ماذا فعلت الحكومة السودانية طيلة هذه السنوات التي استغرقتها هذه الأزمة وحتى اليوم؟ هل أزمة دارفور محض مؤامرة خارجية أم أن هناك نصيبا من المسؤولية للحكومة السودانية في الأزمة، إن في اندلاعها (جراء أخطاء سياسية) أو في حلها ترجمة لإحساس المسؤولية حيال الشعب والبلد؟

هذه أسئلة تضيع في فورة الغضب، ومثلما كانت الأزمات في العراق ترد دوما إلى خارج شيطاني لا يكف عن التآمر، تتكرر الحجج نفسها في السودان: مؤامرات غربية وتدخلات دولية وكنائس مسيحية وتبشير. في كلا الحالين، كان الإخفاق الداخلي يوفر المادة والفرصة النموذجية للعالم للتدخل، بل انه يقدم هذه الفرصة بشكل نموذجي لا يمكن المحاججة حياله كثيرا: »الدراما الإنسانية«. جزء من سكان البلد يدفعون أثمانا باهظة للنزاع السياسي.

عقاب جماعي يطال الآلاف، والضحايا في الغالب أكثر الفئات ضعفا مثل النساء والأطفال والعجزة، وبشكل شاخص ومجسم ومعلن إلى ابعد الحدود. إن المحاجة هنا بان الغرب يستغل الكوارث الإنسانية للتدخل وخدمة أغراضه السياسية الخاصة لا تستقيم، لان هذه الحجة تتغافل عن »المسؤولية الذاتية« في نشأة النزاع والكوارث الإنسانية التي تترتب عليه، وهي دون جدال مسؤولية لا يمكن الإشاحة عنها لأي نظام يتمتع بحس المسؤولية تجاه مواطنيه.

وإذا كان تغيير الأنظمة والمساس بقادتها من الخارج أمرا مرفوضا ويستفز المشاعر الوطنية حتما، فان فورة الغضب هذه جديرة بان تدفعنا لشيء من المراجعة لواحدة من حقائق ظلت تمثل عنصر التأزيم الأساسي في أكثر من بلد عربي: المسؤولية الذاتية. فلوم الخارج والآخرين أمر سهل، لكن توفير الذرائع النموذجية لهذا الخارج إخفاق داخلي ومسؤولية ذاتية مؤكدة.

إن المثال العراقي واضح ومليء بالدلالات، فالمكابرة على المسؤولية الذاتية لم تفعل سوى أن اختزلت العراق كله بشخص رئيسه، ودفع العراق والعراقيون أكثر الأثمان كلفة في تاريخهم حتى اليوم.

mfadhel@batelco.com.bh