قررت الحكومة العراقية اعتبار الرابع عشر من يوليو عيداً وطنياً تعطل فيه دوائر الدولة ومؤسساتها المختلفة. وقرار الحكومة العراقية هذا جاء بعد أن تعاقبت الحكومات «القومية» المختلفة الأشكال والألوان في تجاهل هذا اليوم من تاريخ الشعب العراقي، بكل ما حمل من آمال ومآس في آن معاً.
ولا شك أن ثورة الرابع عشر من يوليو التي قادتها مجموعة من العساكر بقيادة عبد الكريم قاسم قبل نصف قرن بالتمام والكمال، قد غيرت ملامح المجتمع العراقي، وأدخلته في مسار مختلف ما زال العراقيون يتلمسون تبعاته ويلحظونها. وكأي حدث مفصلي في حياة الشعوب، فقد اختلف حول تقييمه المؤرخون، فضلاً عن جماهير الشعب العراقي من طبقاته وأعراقه وطوائفه المختلفة.
ففئة رأت فيه بداية لنصف قرن من الاضطراب وعدم الاستقرار السياسي، دفع ثمنه العراق وشعبه وما زال يدفعه. فقد انتهت الدولة «المدنية» ذات الحريات النسبية، لتحل مكانها دولة بوليسية يحكمها العسكر بقبضة من حديد. وانتهى عهد السلام ليحل محله صراع داخلي وآخر على جبهات العراق المختلفة، فتوالت الانقلابات العسكرية ليكون آخرها انقلاب صدام حسين على رفاقه في العام 1978.
واندلعت المواجهات العسكرية بإعلان الأكراد تمردهم على الدولة المركزية أو ـ بالأحرى ـ استئنافهم له. وهدد عبد الكريم قاسم دولة الكويت وطالب بها، وأجبرها على طلب العون الخارجي من بريطانيا أولاً ثم من أشقائها العرب فيما بعد.
ودخل صدام حسين في مناوشات مع شاه إيران حول شط العرب انتهت بتسليمه نصفه في العام 1975، ليمزق تلك الاتفاقية قبل أن يجف حبرها، وليدخل في حرب ضروس مع جاره استمرت لثماني سنوات متواصلة، ثم ليغزو الكويت في العام 1990 وليكتوي شعب العراق المسكين بحصار ظالم طاله، ولم يزد نظام الحاكم إلا قوة على قوة. وأخيراً ليسقط هذا النظام في حرب قادتها الولايات المتحدة في العام 2003، وليتلظى الشعب العراقي باحتلال لا يرحم وبمآس باتت معروفة للقاصي والداني.
أما الفئة الأخرى ـ وقد باتت قليلة هذه الأيام وصوتها خافت على ضوء المآسي التي كشفتها الأيام ـ فإنها ترى أن النظام «الجمهوري» قد أحدث «حراكاً طبقيا»، لم يكن ليتم من دون «خضة» عنيفة كتلك التي وقعت في الرابع عشر من يوليو في بلاد الرافدين، أو مثيلتها التي حدثت قبلها بست سنوات في السابع عشر منه، في وادي النيل وغيرهما.
ويلقي هؤلاء باللوم في إخفاقات الثورة، على التدخلات الخارجية وعلى الصراع الذي كان في أوج قوته بين المعسكرين في «عز» الحرب الباردة، والتي وجدت قوى الثورة نفسها منجرة ـ دون إرادة منها ـ إما لهذا المعسكر أو ذاك!! وأن هذه الثورة وما تلاها من العهد الجمهوري، كانت له انجازات كنشر التعليم وتأميم النفط وغيرها.
والحق، أن حركة عبد الكريم قاسم ورفاقه، شأن حركة عبد الناصر والضباط الأحرار، كانت بالمعنى الفني التقني «انقلاباً» قادته مجموعة من الضباط الوطنيين ذوي الرؤى السياسية المختلفة، بيد أن تينك الانقلابين سرعان ما كانت لهما مضامين اجتماعية، ليتحولا إلى ثورة بنتائجهما السياسية والاجتماعية، وليس بشكل الاستيلاء على السلطة.
ولذا كانت ثورة الرابع عشر من يوليو، شأن مثيلتها التي وقعت قبلها في مصر، محركاً للمحيط الداخلي ومؤثراً في بنيته الاجتماعية والسياسية والاقتصادية بالطبع (كما حدث في حركة التأميمات)، فضلاً عن تأثيرها في الإقليم سواء العربي منه أم تلك الدول المجاورة للأمة العربية كإيران وتركيا. فبفضل الثورتين حدث «الجلاء»، وهو المصطلح الذي استخدمه نوري المالكي حينما زار دولة الإمارات، مشيراً إلى المفاوضات حول انسحاب القوات الأميركية من العراق.
ويثور الجدل في هذه الذكرى الخمسينية لثورة الرابع عشر من تموز في العراق، ذلك الجدل الذي احتدم في تلك الآونة في التفاضل بين «النظام الجمهوري» الذي كان يكسب أرضاً جديدة في الأقطار العربية، وبين النظام الملكي الوراثي الذي كان يشعر بأنه مهدد، بفعل التطورات التي أعقبت الحرب العالمية الثانية والموجة التحررية العارمة التي بدأت تضرب مناطق واسعة من العالم المُّستعمر.
ويبدو ـ من نظرة تاريخية بحتة ـ أن الأنظمة الملكية الوراثية قد كسبت المعركة، والشاهد على ذلك إنجازاتها الاقتصادية ومستوى المعيشة الذي يتمتع به الإنسان العربي الذي يعيش في أقطار تحكمها أمثال تلك الأنظمة. في حين كان عطاء الأنظمة الجمهورية (حتى تلك التي تمتلك نفطاً غزيراً كالعراق وليبيا والجزائر)، هزيلاً في ما يخص رفاهية مواطنيها وتأمين الحياة الكريمة لهم!!
والغريب أن «الجمهوريات العربية» لم ترتبط بقيام أنظمة ديمقراطية، رغم أنه يفترض أن جوهر الجمهورية هو الديمقراطية، كما في السوابق التاريخية كقيام الجمهورية الأميركية والفرنسية وغيرهما. ولعل نموذج «الحزب الواحد» أو «الجبهة الوطنية» أو «اتحاد قوى الشعب» وغيرها، كانت هي البديل عن الديمقراطية الحقيقية التي تم ازدراؤها في تلك الحقبة بحجة أنها «دعوة إلى الليبرالية».
وقد أصاب غياب الديمقراطية تلك الأنظمة في مقتل وأخرجها من مضمونها الشعبي، لتتحول إلى أداة لحكم «طغمة عسكرية» فاقدة للشرعية في نظر القاعدة العريضة من الجماهير الشعبية، ولينتهي المطاف ببعضها إلى «التوريث»!
لعل ذكرى ثورة الرابع عشر من يوليو مناسبة للاستفادة من دروس التاريخ المأساوية، وفرصة للتأمل، وقد تكون نقطة لانطلاق عراق جديد تتوافق قواه السياسية وقومياته، خدمة للمواطن العراقي الذي عانى بما فيه الكفاية.
كاتب كويتي