تمثل زيارة الرئيس السوري بشار الأسد إلى باريس، والتي أحيطت بعناية بروتوكولية خاصة، اختراقاً وتحولاً مهماً في كسر الحظر والعزلة الدبلوماسية التي عملت على صياغتها وقيادتها الولايات المتحدة الأميركية منذ عقد من الزمن، وهي العزلة التي تفاقمت بشكل كبير بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري.
وتعاظمت من حينها في سياق الالتواءات والاستعصاءات التي شهدتها مسارات عملية التسوية المأزومة على كافة مساراتها، خصوصاً بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وما شهدته المرحلة ذاتها من اتهامات أميركية ما زالت تتواتر إلى الآن، بشأن دور سوريا في ظل علاقاتها مع حركات المقاومة في فلسطين ولبنان.
ففي التقدير العام، تشير زيارة الرئيس الأسد إلى باريس، بعد سنوات من زيارته الأولى لعاصمة الأنوار، إلى تحول هام في اختراق العزلة الدبلوماسية لسوريا، التي تواصلت خلال السنوات الأخيرة وكانت الولايات المتحدة وفرنسا من أبرز دعاتها.
وعلى هذا الأساس فإن الاهتمام الإعلامي بالزيارة سبق الزيارة نفسها بمدة طويلة، حيث تكثف تركيز الأوساط الإعلامية والسياسية في صورة خاصة على المشاركة السورية في القمة المتوسطية، ومنذ أن تم طرح مشروع «الاتحاد من أجل المتوسط»، برز حرص فرنسي خاص على ضرورة مشاركة سوريا، ولم تلق دولة من الدول المشاركة نفس القدر من العناية.
فقد زار دمشق عدة مبعوثين فرنسيين من أجل نفس الغرض، وهو نقل دعوة رسمية من الرئيس نيكولا ساركوزي لنظيره السوري. وانطلاقاً من المعطى إياه بدت باريس مهتمة جداً بحضور الرئيس السوري قمة «الاتحاد من أجل المتوسط»، التي باشرت أعمالها في القصر الكبير بحضور نحو (44) رئيس دولة وحكومة ووزير خارجية، الأمر الذي يطرح الكثير من التساؤلات حول هذا الانشغال الفرنسي المفاجئ بدمشق بعد سنوات من القطيعة والجفاء، بل ومن التخريب السياسي الذي قادته باريس ضد دمشق في الحلبة الدبلوماسية على النطاق الدولي وصولاً إلى مجلس الأمن.
وبالطبع، ليس هناك شك في أن سر الاهتمام يتجاوز دور دمشق في مشروع «الاتحاد من أجل المتوسط» المطروح على جدول أعمال اجتماعات باريس، وإلا لكانت مصر والمغرب والجزائر استأثرت بنفس الحظوة الإعلامية والحفاوة الرسمية، باعتبارها من دول المتوسط ذات الحضور والتأثير.
والسبب الثاني الذي يدفع باريس لكي تطبع العلاقات بسرعة مع دمشق، هو أن سوريا تلقت نوايا الانفتاح الفرنسية وبادلت الغزل الفرنسي بصدر رحب وبغزل مقابل، وبدأت تتجاوب مع الخطوات الفرنسية بالنسبة للبنان وغير لبنان، الأمر الذي اشعر الرئيس الفرنسي ساركوزي بأن مساعيه بالنسبة للعلاقة مع سوريا وإعادة بنائها تسير في الطريق الجيد.
وأنه يتوجب عليه التقاط المبادرات الايجابية السورية التي تمت في المساعدة على التوصل إلى «اتفاق الدوحة» بين الأطراف اللبنانية، وانتخاب العماد ميشال سليمان لرئاسة لبنان، وصولاً إلى تشكيل حكومة الوحدة الوطنية برئاسة فؤاد السنيورة بعد مخاض طويل من التطورات العاصفة التي ضربت بلبنان.
أما السبب الثالث فيتمثل في القراءة الايجابية الفرنسية لانطلاق المسار التفاوضي بين سوريا وإسرائيل، ولو بشكل غير مباشر عبر قناة اسطنبول التركية، بالرغم من الكتمان والسرية التي تحيط بأعمال المفاوضات ونتائجها. والسبب الرابع يعود إلى تلمس باريس مدى قدرة النظام في سوريا على التماسك في أعتى الظروف والصعاب، وعلى مدى حملة قاسية شنت عليه دون أن تفلح الولايات المتحدة في إخضاعه أو زحزحته أو إيذائه استراتيجياً، أو إحداث التوتر الداخلي في بنيته.
ومن هنا، نستطيع القول بأن مسار تطور العلاقات الفرنسية السورية وعودتها إلى خط التفاهم، بات مفتوحاً لتعود العلاقات تدريجياً إلى سابق عهدها منذ أن تم إرساؤها في عهد الرئيس الأسد الأب، في زيارته التاريخية إلى باريس بعيد تدفق القوات السورية إلى لبنان عام 1976.
والآن تبدو إشارات جديدة لعودة الاعتراف الفرنسي بدور سوري إقليمي، يتجاوز لبنان نحو فلسطين والعراق، ويصل حتى إلى الملف النووي الإيراني، وهذا أمر تتمناه وتنشده دمشق بعد سنوات طويلة من محاولة تقزيم دورها وتهميشه.
كاتب فلسطيني ـ دمشق