يستعد كل سنة مئات الآلاف من طلاب الثانوية العامة في العالم العربي للدراسة في الجامعة واختيار تخصص يريدون دراسته ومن ثم العمل في مجاله بعد التخرج. والسؤال الذي يفرض نفسه هنا هو هل الدول العربية تعي جليا ماذا تريد من التعليم العالي والبحث العلمي؟

وهل هناك استراتيجية وخطة للتنسيق بين التعليم الأساسي والتعليم العالي وسوق العمل واحتياجات كل بلد من الإطارات والخريجين للمساهمة الفعالة في عملية التنمية المستدامة؟ وهل هناك استراتيجية واضحة للبحث العلمي وصناعة المعرفة في الجامعات العربية؟ أم أن الموضوع يتعلق بتلقين المعلومات وتخريج عشرات الآلاف من الطلاب بل مئات الآلاف، بغض النظر عن احتياجات سوق العمل؟ وهل أنه تم تلقينهم معلومات ومهارات أم تم تدريبهم على استخدام المعلومة في أرض الميدان؟

إذا تمعنا في المعايير العالمية للجامعات الكبيرة في العالم، فهناك فرق شاسع بين جامعات الغرب والجامعات في الدول العربية. وأهم هذه الاختلافات أو الفروق هي أن معظم الجامعات في الدول العربية يغلب عليها الطابع التدريسي التلقيني، وبذلك فإنها لم ترق إلى درجة الجامعات البحثية التي تنتج المعرفة وتساهم في حل مشكلات المجتمع والاستجابة لاحتياجاته ومتطلباته.

والفرق بين الجامعة البحثية والجامعة التدريسية، هو أن الأولى تتوفر على برامج الماجستير والدكتوراه والدراسات العليا، وعلى مراكز بحوث ودراسات وعلى ميزانيات بحث تعد بمئات الملايين من الدولارات، بل المليارات في بعض الجامعات.

هذه الجامعات هي التي تفرز عادة كبار السياسيين والرؤساء ورجال الأعمال، وتتعامل مع شركات عملاقة وتقوم بإنجاز مشاريع بحثية لحسابها في تطوير منتجاتها وبرامجها الإنتاجية المختلفة. فالكلام عن صناعة المعرفة في الجامعات العربية في غياب مستلزمات وشروط البحث العلمي، يعتبر غير قائم أساسا. فميزانية البحث العلمي في أعرق وأكبر جامعة عربية لا يتجاوز بضعة ملايين من الدولارات، ناهيك عن غياب جو البحث العلمي وتوفير الإمكانيات والوسائل الضرورية للباحث.

الكلام عن التعليم العالي والبحث العلمي يقودنا لفتح ملف التعليم الأساسي النظامي، حيث أن هذا الأخير يعاني من مشكلات لا تحصى ولا تعد، كمشكلة الحشو والاهتمام بالكم على حساب النوعية، إضافة إلى التقليد والتلقين والتركيز على الحفظ، بدلا من تنمية مهارات التفكير التحليلي والنقدي وتنمية ذكاء الطفل وقدراته التفكيرية.

فالتلميذ بعد إنهائه الثانوية العامة يصل إلى الجامعة وهو لا يتحكم في لغته الأم بطريقة جيدة ولا باللغة الأجنبية، وفي هذه الحالة تواجه الجامعة مشكلات عويصة في التعامل مع هذه النوعية من الطلاب، خاصة الذين يتابعون دراستهم باللغة الأجنبية.

والحصيلة تكون في غالب الأحيان فشل الطالب ورسوبه فيضطر إلى تغيير التخصص، وبذلك يضيّع سنة أو سنتين، وفي الأخير لا يدرس التخصص الذي أراده في المقام الأول. والمشكلة التي يواجهها التعليم العالي في الوطن العربي، هي عدم التنسيق بين التعليم العالي والبحث العلمي والتعليم الأساسي وقطاع العمل واحتياجات المجتمع.

ومن التحديات الكبيرة التي يواجهها التعليم العالي في الوطن العربي عملية التمويل، فالقطاع الخاص ينظر إلى الاستثمار في التعليم العالي من زاوية الربح، بغض النظر عن متغيرات هامة كالجودة وتمويل البحث العلمي ورعاية المتميزين والمتفوقين.

أما الدولة ومع تزايد الأعداد الهائلة من الطلاب المقبلين على الجامعة، فنجدها إما قد تنصلت من دورها وتركت المجال للقطاع الخاص، وإما تكفلت بالموضوع دون احترام المعايير والشروط ودون توفير أدنى الوسائل. فما تخصصه الدول العربية للإنفاق على التسلح، يفوق بكثير ما يخصص للتربية والتعليم والبحث العلمي. تخصص الدول العربية قاطبة للبحث العلمي 7,1 مليار دولار، وهو في حدود ما تخصصه جامعتا هارفارد وميشيغان الأميركيتان للبحث العلمي.

من المشكلات التي تعاني منها الجامعات العربية كذلك، هجرة العقول حيث أن المتفوقين والمتميزين من خريجي الجامعات العربية، يحصلون عادة على منح لمتابعة دراساتهم في الجامعات الغربية فيلتحقون بها، وفي غالب الأحيان يتفوقون ويحصلون على منح أخرى وامتيازات وفرص عمل في أرقى المختبرات والمعامل البحثية والشركات العملاقة، وبذلك فإنهم يستقرون في تلك الدول نظرا لتوفر شروط البحث العلمي والمنافسة والجودة والتميز والتفوق، الأمر الذي لا يتوفر في البلد الأم.

وهنا تخسر الدول العربية عشرات الآلاف من الباحثين والعلماء من خيرة أبنائها سنويا. فالدول العربية تزرع ونظيراتها في الغرب تحصد، وهذا النزيف يجعل الدول العربية تخسر النخبة التي من المفروض أن تقود الإبداع والاختراع والابتكار وصناعة المعرفة في العالم العربي.

التحدي الآخر الذي يواجهه التعليم العالي في الوطن العربي، هو الفجوة بين مخرجات الجامعات وسوق العمل. ونلاحظ هنا أن نسبة البطالة في العالم العربي تقدر ب15%، وهذا يعني أن هناك آلاف الخريجين من دون عمل، وأن البعض يعمل في وظائف بعيدة كل البعد عن ما درس في الجامعة وعن مستوى تأهيله. وهذا يعطي انطباعا عاما بأن التعليم الجامعي لا فائدة منه ويفضل العزوف عن الاستثمار في التعليم الجامعي.

يواجه التعليم العالي في العالم العربي مشكلة التبعية والتقليد ومشكلة الازدواجية اللغوية والهوية، حيث أنه في غياب إنتاج المعرفة والإنتاج العلمي، تلجأ الجامعات العربية إلى الاعتماد على ما ينتجه الآخر وفق معاييره وقيمه ومبادئه وأهدافه، مما يؤدي إلى التبعية وذوبان الهوية الوطنية والثقافة الوطنية في طوفان العولمة التي لا ترحم.

إصلاح واقع التعليم العالي والبحث العلمي وصناعة المعرفة في الوطن العربي، يحتاج إلى إجراءات تنظيمية وهيكلية ومعرفية جذرية، تتمثل في تغيير الذهنية وتطوير الإدارة وزيادة الميزانية بنسب عالية، وإشراك القطاع الخاص في التمويل، وإعطاء الأستاذ الجامعي والباحث حقه المادي والمعنوي وتشجيعه على العطاء والتفاعل مع محيطه.

يجب كذلك التنسيق المنهجي والمنظم بين وزارات التعليم العالي ووزارات التربية والتعليم ومع سوق العمل، والقيام بدراسات وأبحاث واستطلاعات دورية لتحديد الاحتياجات ووضع الاستراتيجيات للاستجابة لها. فالتحدي الكبير في الألفية الثالثة هو صناعة المعرفة واستخدامها في حل مشكلات المجتمع وإنجاح عملية التنمية المستدامة.

كلية الاتصال، جامعة الشارقة

mokirat@sharjah.ac.ae