لم يكن كل لبنان، خصوصا بعد تشكيل حكومة كل لبنان، هو فقط من شهد عرس المقاومة اللبنانية، ويوم انتصار الإرادة الوطنية والعربية الرمزي في «الناقورة» والشعبي والرسمي في «بيروت»، بل شهد الفرح أيضاً كل العرب في كل عاصمة عربية، وأعداء الاحتلال وأنصار الحرية في الأمة الإسلامية وفي العالم كله.

في يوم النصر والحرية اللبناني في يوليو 2008، وبعد سنوات المقاومة الوطنية ضد المحاولات الصهيونية الفاشلة لتركيع اللبنانيين، بالعدوان والغزو والاحتلال في ما سمي بعملية الليطاني عام 1978، وحصار بيروت عام 1982، وعدوان يوليو 1993، وعناقيد الغضب عام 1996، وأخيرا في عدوان يوليو 2006، يثبت دائما أن الهزائم ليست هي سجل تاريخ العرب بل الانتصارات أيضا، وأن النصر مع الصبر والفرج مع الكرب.

ما حدث في «بيروت» يوم 16 يوليو 2008 في الاحتفال الرسمي اللبناني الجامع بالمطار، حينما وقف الرئيس ميشيل سليمان، وممثل حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله، والرئيس نبيه بري رئيس البرلمان، والرئيس فؤاد السنيورة رئيس الحكومة، وعدد من زعماء الأحزاب الوطنية اللبنانية جنبا إلى جنب، على اختلاف توجهاتهم وانتماءاتهم الطائفية والمذهبية والسياسية، في استقبال الأسرى اللبنانيين الأبطال وجثامين الشهداء العرب الأبرار، يبقى عظيما في دلالاته.

وما حدث في «الناقورة»، آخر نقطة على الحدود اللبنانية الإسرائيلية، في ظل الاحتفال بالذكرى الثانية للانتصار الثاني للمقاومة اللبنانية على قوات الاحتلال الصهيوني، يبدو كآخر نقطة على آخر حرف لسجل العدوان الإسرائيلي الفاشل على لبنان في يوليو 2006، بنجاح المقاومة الإسلامية في تحرير الأسرى اللبنانيين والفلسطينيين، وفي مقدمتهم عميد الأسرى العرب سمير القنطار، وجثمان الشهيدة الرمز دلال المغربي.. ثبت ضرورة المقاومة، وأكد معنى النصر والحرية.

والمشهد الوطني اللبناني الموحد في الاحتفال الرسمي والشعبي العظيم بتحرير آخر الأسري اللبنانيين من سجون الاحتلال الصهيوني، يبقى بشير الحرية لآلاف الأسرى والمعتقلين في السجون الإسرائيلية والأميركية، وبشير الانتصار لكل المقاومين الأبطال في فلسطين والعراق، وفي كل وطن عربي وإسلامي يقاوم الاحتلال ويتطلع للحرية.

دلالة ومعنى ما حدث تتضح في ما كتبه قبل أيام «بن كاسبيت» في صحيفة معاريف الصهيونية قائلا: «الذروة ستحين بعد عشرة أيام عندما سيتنهد شيمون بيريز ويوقع على قرار إطلاق سراح القنطار. سيصل القنطار مع الأسرى اللبنانيين الأربعة إلى المعبر، وسيدخل لبنان مثل بطل منتصر.. بينما سيعود ريغيف وغولدفاسر من لبنان جثتين ضحيتين».

لقد طلب نصر الله إطلاق القنطار في صفقة تننباوم، وأزالت إسرائيل القنطار في آخر لحظة من الشاحنة، وقال نصر الله إن إسرائيل ستندم على ذلك لأنها ستضطر إلى إطلاق القنطار في ظروف أصعب. اختطف نصر الله ريغيف وغولدفاسر، واضطر إسرائيل إلى الحرب ودفع ثمن باهظ، والى فقدان الردع، والى أن تتحمل لمدة شهر سقوط الصواريخ على شمالي إسرائيل.

وإلى أن تطلق القنطار في آخر المطاف، وأربعة لبنانيين وأسرى فلسطينيين، وعددا غير قليل من جثث مقاتلين عرب، مقابل جثتين وتقرير عن وفاة أراد. والأساس أننا راضون! مع إرادة الحق والمقاومة، وبروح الصبر والصمود، وبالاستعداد للتضحية ودفع ثمن النصر والحرية، فإن لكل ليل صبحا، وكلما ازداد الظلام قرب الفجر.

mamdoh77t@hotmail.com