تمكن لبنان من تلقين الدولة العبرية درساً كبيراً، في فنون التفاوض واستراتيجية عض الأصابع، خلال عملية تبادل الأسرى الأخيرة، التي سيبقى صداها يدوي في جنبات مقر الحكومة الإسرائيلية وبرلمانها لفترةٍ غير قصيرة.

أبلغت المقاومة الوطنية اللبنانية عدوها اللدود، ومعه العديد من الدول الكبرى، رسالةً لا لبس فيها، قوامها أن هذا الكيان لا يفهم سوى لغة القوة الموازية لإرادةٍ وعزيمةٍ ثابتة وصلبة لا تتزعزع. جعلت إسرائيل تحبس أنفاسها حتى اللحظة الأخيرة في انتظار وترقب لمعرفة ما إذا كان جندياها لا يزالان على قيد الحياة، في «غموض بناء» استثمرته للحصول على المزيد من المكاسب.

كسرت هذه العملية الناجحة، ونحن نتابع فصولها تتوالى، كل المحرمات التي وضعتها إسرائيل خلال عمليات تبادل الأسرى السابقة من حظر لتبادل «أموات بأحياء» إلى رفضٍ كامل للإفراج عن كل من «تلطخت يداه بدماء إسرائيليين»، الأمر الذي أثار زوابع وعواصف داخل المجتمع الإسرائيلي سيكون لها من دون شك عواقب بعيدة المدى على نظرة الرأي العام الإسرائيلي إلى حكوماته وجيشه الذي «لا يقهر».

يبقى أن تتلقف حركة «حماس» وباقي حركات المقاومة الفلسطينية تلك البادرة التفاوضية غير المسبوقة، لتكمل الطريق في كسر عظم القدرة التفاوضية للطرف المقابل في قضية الجندي المحتجز جلعاد شاليت وتحسين شروط التفاوض عليه، بعد أن ثبت فشل سياسة اللين مع الجانب الإسرائيلي خلال العديد من عمليات التفاوض الماضية لتبادل الأسرى، والتي شهدت غالباً تراجع إسرائيل ونكثها لعهودها في اللحظة الأخيرة، ليكتشف الطرف الفلسطيني أنه كان ضحية خداع ومناورات، لم يكن ليملك شيئاً معها سوى القبول بما تحقق، لقناعته بامتلاك إسرائيل أوراق ابتزاز تفاوضية لم تكن لتتردد باستعمالها.

وينتظر من الدول العربية، التي يحق لها أن تفتخر بإنجازات المقاومة، تقديم جميع أشكال الدعم المعنوي والدبلوماسي لحركات المقاومة في حربها السلمية لاستعادة أحرارها الذين قاتلوا وضحوا بحرياتهم سعياً وأملاً في إرغام إسرائيل على إعادة الأراضي العربية المحتلة لأهلها الحقيقيين.

لقد غلبت قوة الإرادة التي تحلى بها الأسرى المحررون إرادة القوة المتغطرسة، التي طالما اشتهرت بها إسرائيل، فلم تجد بداً سوى سوق التبريرات الواهية عن أهمية «الانتصار المعنوي الكبير» الذي حققته باسترجاع جندييها، في الوقت الذي كان لبنان والعالم العربي والإسلامي يشاهدان بفخر واعتزاز عرس الأسرى المحررين من قيود عدوهم التائه في خيباته.