ما تزال اصداء مذكرة التوقيف التي أصدرها مدعي عام المحكمة الجنائية الدولية في حق الرئيس السوداني عمر البشير، تتردد على الساحة الدولية بعد ان بدت المحكمة وكأنها تذهب الى التسييس مقدمة اياه على مبدأ العدالة والانتصار للقيم الانسانية التي قامت من أجل تحقيقها دون الوقوع في لعبة الاصطفافات والمعادلات الدولية التي اختطفت جدول الاعمال الأممي بخدمة مصالحها، حيث لا تعنيها سوى استراتيجيتها وتتقدم احلام الهيمنة على كل ما عداها من قانون دولي وشرعية وحقوق انسان والاتفاقيات الدولية الأخرى التي اراد واضعوها تجنيب البشرية ويلات الحروب والفظائع واستبداد الطغاة والانتهاكات الفظة للحقوق.

الجدل الذي اثارته مذكرة التوقيف، مرشح للتصاعد على نحو يهدد بالفعل الاوضاع في السودان نفسه ويدفع المزيد من الدول الى التريث في الانضمام الى ميثاق المحكمة الجنائية الدولية حيث لا تزيد عضويتها حتى الآن على 106 دول لم يصادق بعضها على البروتوكول الخاص بذلك..

اجتماع المجلس الوزاري العربي الطارىء المقرر عقده يوم بعد غد السبت ربما يوفر مناخاً أو فرصة أمام الدبلوماسية العربية لاعادة صياغة خطاب عربي ينهض على موقف ورؤية ذات أبعاد ومضامين تلحظ انحياز العرب الى القانون الدولي ومبادىء العدالة والقيم الانسانية دون انتقائية أو تسييس، وان هذا النهج هو الذي سيحكم الخطوات العربية اللاحقة وفي ضوء موقف قضاة المحكمة الجنائية الدولية وما اذا كانوا سيقبلون مذكرة مدعي عام المحكمة أم انه سيردونها لعدم توفر الأدلة..

ثمة ما يمكن عمله عربياً في هذا الاتجاه لأن وقائع السنوات الخمس الماضية قد كشفت في شكل واضح طبيعة التوظيف السياسي الذي تمارسه القوى الكبرى واللوبيات السياسية الضاغطة في عواصم القرار الدولي على المنظمات والهيئات الدولية بدءاً من مجلس الأمن وليس انتهاء بالمحكمة الجنائية الدولية التي اختارت ان تسلط الضوء على أزمة دارفور مع اهمال واضح ومقصود لأزمات أخرى تجري على ساحاتها مذابح وجرائم حرب وابادة وتطهير عرقي دون ان تجد من يهتم بها أو يدينها أو يدعو الى اجراء تحقيق دولي محايد حيالها، بل ان بعض منظمات حقوق الانسان تصدر بيانات خجولة، هذا ان ابدت اهتماماً يذكر تحت ادعاءات باتخاذ موقف التوازن..

كذلك فان اجتماع المجلس الوزاري العربي الطارىء يشكل فرصة مضاعفة أيضاً لاتخاذ موقف عربي واضح وجلي ازاء أزمة دارفور والعمل الفوري لايجاد حل عادل لها.