في الأسابيع الأخيرة، قامت الدنيا ولم تقعد في أميركا، بسبب سلسلة من التصريحات والمواقف التي صدرت عن المرشح الديمقراطي باراك أوباما. فقد وصفت وسائل الإعلام الأميركية والكثير من المراقبين ما أتى به أوباما مؤخراً، بأنه كان تحركا منتظما من المرشح نحو الوسط السياسي وبعيدا عن اليسار.
وكان أوباما قد اتخذ في الأسابيع الأخيرة مواقف عدة، تعتبر بالمعايير الأميركية في الوسط السياسي إن لم يكن في اليمين. فهو اتخذ مثلاً موقفاً مؤيداً لمشروع قانون يقضى بمنح الحصانة القانونية بأثر رجعي، لشركات الاتصالات التي تعاونت مع بوش في التنصت على الأميركيين دون إذن قضائي، وهو ما كان قد أعلن بنفسه أنه ضده في تصريحات سابقة.
كما أعلن المرشح الديمقراطي أنه مؤيد للتجارة الحرة، وألقى خطابا خصصه لتأييد موضوع الشراكة بين الحكومة والهيئات الدينية التي كانت من أهم برامج بوش، ولاقت انتقادات حادة من الليبراليين الداعين للفصل بين ما هو ديني وما هو سياسي.
وإلى جانب كل ذلك أطلق أوباما سلسلة من التصريحات بشأن العراق، والتي بعثت على الشك في تعهده بالانسحاب خلال 16 شهرا من توليه الحكم. فهو أعلن مثلا أنه سيجري مراجعة شاملة لموقفه من العراق بعد يوليو الحالي، وأضاف أنه في زيارته المقبلة للعراق سوف «يتحدث مع الجنرالات الموجودين على الأرض، ويحصل على معلومات ينقح على أساسها موقفه». وهو بالضبط منطق بوش.
غير أن أطرف ما في هذه الضجة، هو في الواقع ما يتعلق بالتشخيص الذي قدمته. فهي صورت الموضوع وكأن أوباما كان يتخذ مواقف «ليبرالية»، وهو ما يعنى في أميركا أنها مواقف «يسارية»، ثم صار اليوم يتخذ مواقف «وسطية».
وهو توصيف لا علاقة له بالواقع في حقيقة الأمر، لأن من يتابع بدقة مواقف الرجل عبر فترة ممتدة، يجد أنها كانت منذ البداية في الوسط السياسي. كل ما في الأمر أن أوباما ينتمي لذلك النوع من السياسيين الأذكياء، الذين يعرفون ماذا يقولون ومتى وكيف.
وحملته في هذا الصدد أشبه بحملة كلينتون في 1992، التي تعتبر واحدة من أكثر الحملات الانتخابية براعة وحنكة في تاريخ أميركا الحديث. فأوباما كان يعد كلماته طوال المرحلة التمهيدية بعناية فائقة، تجعلها من الغموض بما يسمح بالإضافة عليها لاحقا ما يلائم اللحظة السياسية ويخدم اعتبارات الفوز والخسارة.
فأوباما، سواء في كتابيه اللذين صدرا قبل ترشحه للرئاسة أو في الحملة الانتخابية ذاتها، عبر بانتظام عن رؤية للعالم لا تأتي من يسار الحزب الديمقراطي على الإطلاق، وإنما تأتي من الوسط السياسي، وهي لا تختلف كثيرا عن السياسيين الديمقراطيين أمثال بيل وهيلاري كلينتون، الذين يطلق عليهم «معتدلين» في أميركا. بل إن الكثير من المواقف التي اتخذها أوباما في الحملة التمهيدية، كانت في الواقع على يمين هيلاري كلينتون لا يسارها.
وأوباما الذي أثار موقفه من قانون التجسس زوبعة كبرى، هو نفسه الذي وافق في مجلس الشيوخ عام 2005 على مد العمل بقانون باتريوت، الذي صدر في 2001 ومثل انقضاضا غير مسبوق على الحريات المدنية في أميركا.
ورغم أن أوباما كان قد هاجم هيلاري كلينتون بشأن تأييدها لاتفاق نافتا للتجارة الحرة بين دول أميركا الشمالية، إلا أن الرجل لم يصدر عنه ما يشير إلى رؤية واضحة بشأن تحويل العولمة الجاري صنعها إلى نوع أكثر عدلا وإنسانية.
صحيح مثلا أن أوباما كان ضد حرب العراق قبل أن تبدأ، إلا أنه كان ضدها باعتبارها «حربا غبية» على حد تعبيره، وقال وقتها أكثر من مرة أنه ليس ضد كل الحروب، وإنما ضد الحروب الغبية. بعبارة أخرى، لم يقل أوباما أبدا أنه كان ضد هذه الحرب من حيث المبدأ، لأنها انتهكت الشرعية الدولية وخرقت القانون الدولي.
وهو حين تعهد بالانسحاب، لم يفعل ذلك لأن بلاده دولة احتلال تسببت في تدمير العراق ومقتل وتشريد الملايين من أبنائه، وإنما ببساطة لأن أميركا لا يمكنها أن تكون طرفا في حرب أهلية، ولا يمكنها أن تنقذ العراق ما دامت حكومته متقاعسة على حد قوله!
وأوباما الذي رفض حرب العراق، قال إنه على استعداد لقصف باكستان إذا ما تأكد أن الحكومة الباكستانية تتقاعس في القبض على ابن لادن. بعبارة أخرى، فإن أوباما لا يرفض في الجوهر الطابع الإمبراطوري لسياسة بلاده الخارجية، وإنما يرفض منهج بوش في تحقيق أهداف الإمبراطورية الأميركية.
وأوباما سياسي ذكي وبراجماتي في آن معاً. وهو يعرف أن المرحلة التمهيدية، تختلف من حيث متطلباتها اختلافا كبيرا عن المرحلة النهائية في انتخابات الرئاسة. ففي الأولى تدور المعركة حول ترشيح الحزب ومن ثم فإن أصوات الديمقراطيين هي الحاسمة، الأمر الذي يعني بالضرورة اتخاذ مواقف تقدمية تستهدفهم.
أما مرحلة الانتخابات النهائية التي تدور فيها المعركة بين الحزبين، فإن المرشح يحتاج لأصوات الجمهوريين والمستقلين، الأمر الذي يعني اتخاذ مواقف تستهدف جمهورا مختلفا. وعادة ما يؤدي هذا التباين إلى وضع المرشح في مأزق، فالمواقف التي يتخذها في المرحلة التمهيدية، قد تعقد من مهمته لاحقا في صياغة مواقف تستجيب لقطاع مختلف من الناخبين.
لذلك حرص أوباما على الغموض، ولم يتطرق أبدا للموضوعات والتفاصيل المهمة التي لم يسأل عنها. وقد سهل من مهمة الرجل كثيرا أن الحركة الداعمة له التزمت الصمت وأيدته دون شروط، ولم تطلب منه الالتزام بمواقف محددة مقابل تأييدها.
وقد أسهم أيضا أداء الإعلام الأميركي في تسهيل مهمة أوباما، فقد كان كالعادة يلهث بحثا عن الإثارة، فغض الطرف عن مناقشة القضايا بشكل شبه كامل، وركز بالكامل على شخصية المرشح وقصة حياته، بل وغطى المعركة بين أوباما وهيلاري كلينتون بمنطق واحد فقط هو منطق سباق الخيل، أي من يتقدم اليوم ومن يتعثر ومن له فرصة في ولاية كذا ..الخ.
ليس صحيحا إذن أن أوباما صار يتجه نحو الوسط، فالرجل كان في الوسط منذ اللحظة الأولى.
كاتبة مصرية