لا عدالة على الإطلاق إذا كان الخصم هو الحكم، أو هو القاضي وهو الجلاد! ولا عدالة حينما يكون القانون هو قانون القوي الذي انتصر، والقضاة هم جنرالاته المنتصرون بغض النظر عن موقع العدالة في الواقع!

ولا عدالة دولية إذا كانت أميركا بما تملك من قوة لإرهاب العالم، تستخدم مجلس الأمن تارة أو المحاكم الدولية تارة أخرى، كوسائل للضغوط والتهديدات وتوقيع العقوبات الظالمة الاقتصادية والسياسية على خصومها، دولا أو أفرادا.

وما يجري في العالم اليوم شبيه بمحاكمات نورمبرغ بالأمس، حيث اختارت أميركا نفسها للجلوس في مقعد القاضي بغير أهلية بينما هي الجلاد، وفي مقعد الحكم بلا مصداقية بينما هي الخصم، مع فارق أساسي.. بالأمس كانت المنتصر الذي يحاكم خصمه المهزوم، بينما هي اليوم لم تنتصر، لا في فيتنام ولا في العراق ولا في أفغانستان ولا في لبنان، فيما تصر على تمثيل دور القاضي!

ويبدو الموقع الأنسب للإدارة الأميركية الحالية وللسياسة الأميركية عموما، هو قفص الاتهام لمحاكمتها أمام محكمة الضمير الإنساني العالمي، على جرائم الحرب والعدوان والجرائم ضد الإنسانية والانقلاب على الديمقراطية وانتهاك حقوق الإنسان، سواء في قصفها النووي لليابان، أو في غزوها وحربها في فيتنام، أو في غزوها لأفغانستان، أو في تدميرها للعراق، ودعمها للعدوان في فلسطين وعلى لبنان..

ولأن المتسلط الأميركي يعرف جرائمه فإنه يواصل الهروب من التوقيع على محكمة الجنايات الدولية خوفا من مواجهة الاتهام، ويحاول ارتداء زي الشرطي العالمي للتمويه، وبعدما كسرت عصاه في أكثر من مكان، يدعى انتحال صفة القاضي الدولي عله، بلي عنق الحقائق وبسوء تفسير القانون الدولي يمكنه محاكمة الخصوم غير المهزومين، بلا جريمة حقيقية وبدعاوى الديمقراطية وحقوق الإنسان وجرائم الحرب والإرهاب، بلا أهلية ولا شرعية!!

وليس هناك أدلة أوضح من فقدان المصداقية من آلاف المعتقلين في معسكرات غوانتامو وسجون أبو غريب والسجون السرية، الذين اعتقلوا لسنوات بالاشتباه، وسجنوا بلا تهمة وعذبوا بلا إنسانية، واضطرت الإدارة الأميركية أخيرا للإفراج عن معظمهم تحت ضغط الرأي العام والمؤسسات الحقوقية والقضائية الأميركية والعالمية، حيث لم يقم دليل على صدق اتهامهم بالإرهاب، خمسة فقط من سجناء غوانتامو قدموا للمحاكمة العسكرية، بلا قانون طبيعي وبلا ضمانات بدفاع موضوعي ولا محاكمة عادلة!

ولأن أميركا لم تعد القوة المنتصرة، ولأنها فقدت الأهلية والمصداقية أمام العالم، فقد فشلت في دور الشرطي كما سقطت في دور القاضي، وبقيت في نظر العالم في وضع الجلاد فقط، فقد أصبحت مهمتها صعبة في فرض إراداتها وتمرير أحكامها الجاهزة، فتمرد عليها مجلس الأمن في منح عدوانها على العراق شرعية دولية، ورفض مشروعها بالفيتو الروسي والصيني لفرض عقوباتها على زيمبابوي، ورفض إصرارها على إلزام السودان بتسليم مواطنيه للمحاكمة الدولية رابطا ذلك بعدم عجز القضاء السوداني عن محاكمتهم!

إن هذه اللامشروعية وعدم الأهلية، وهذه الانتقائية وعدم الاختصاص، وبالقوة وليس بالقانون، وبازدواجية المعايير، لا تخالف القانون ذاته فقط، بل تمثل عدوانا على القانون الدولي، وتقلب دور القضاء الدولي من القضاء على الظلم إلى القضاء على العدالة والقانون معاً، في ظل قانون القوة.

mamdoh77t@hotmail.com