حقق لبنان أمس انجازين كبيرين يضافان إلى رصيده التاريخي في مضمار القضايا القومية الكبرى برضوخ إسرائيل لمطالب حزب الله بتسليم كل الأسرى اللبنانيين مع عدد كبير من الأسرى الفلسطينيين والعرب، واجتماع كل الأطياف اللبنانية على طاولة واحدة في إطار حكومة الوحدة الوطنية، وهو ما يشكل بداية مرحلة جديدة ومشاركة حقيقية في عملية إنقاذ الوطن ومعالجة المشكلات السابقة والمستجدة، بتوافق سياسي كبير.

وفي هذه المرحلة يتوجب على الزعماء اللبنانيين ان يسيطروا على التوترات المذهبية المتزايدة. فلا يخفى على أحد أن الاقتصاد اللبناني في حاجة إلى إعادة بناء ثقة، كما ان مناطق عديدة في حاجة إلى إعادة تعمير، والمواطن اللبناني في حاجة إلى استقرار اجتماعي ونفسي، وهو الأمر الذي يجعل من المرحلة المقبلة مرحلة النظر إلى المستقبل، وليس إلى الوراء.

فبداية عمل حكومة الوحدة الوطنية سيدفع إلى التعجيل في التحضيرات لعقد جلسة عامة لمجلس النواب، لإقرار قانون الانتخاب الجديد، الذي يعتبر البند الثالث من اتفاق الدوحة، لتنطلق بعد ذلك بقوة الحملات الانتخابية، تمهيدا للاستحقاق الانتخابي النيابي العام المقبل.

ولا يزال أمام الحكومة، التي تشكلت مبدئياً على قاعدة ما يسمى بالوفاق الوطني، استحقاقات كثيرة، ومفارزات سياسية صعبة، يشكل كل منها تحديا لقدرتها على التماسك، وامتحاناً للوحدة الوطنية، خاصة وان كل طرف من أطرافها سواء الموالاة أوالمعارضة يملك حق «الفيتو»، لتعطيل أعمال وقرارات الحكومة بحكم اتفاق الدوحة.

اللبنانيون، إذن، مدعوون الآن إلى تنشئة أجيال جديدة شغلها الشاغل هو حب الوطن والعمل على بنائه، بعيدا عن المذهبية والطائفية أو حتى التوجهات السياسية المتشددة. وهم مدعوون الآن إلى نبذ لغة التهديد والوعيد وإحلال لغة تتفق والمصلحة العليا للوطن التي هي بالطبع فوق كل اعتبار.

أملنا ان ينجح اللبنانيون في رأب الصدع بين أطراف المعادلة السياسية اللبنانية بتحييد المشكلات والصراعات الإقليمية، لصالح بناء الدولة اللبنانية واستعادة هيبتها وأمنها وتماسكها وصون وحدة شعب لبنان وإعادة أراضيه المحتلة.

فنجاح لبنان مرتبط بنجاح النظام السياسي المدني والديمقراطي فيه، وإقامته على المساواة بين جميع طوائفه وأبنائه، واحترام التنوع الطائفي والسياسي فيه واحترام الوطن والمواطنة، بدون جر لبنان إلى اصطفافات سياسية تعرض نظامه وصيغته السياسية وشعبه للخطر.

ان لبنان بالفعل الآن على أبواب مرحلة مهمة في تاريخه الحديث، ونحن على يقين من أن الآتي أفضل، وأن المستقبل يحمل في طياته إشراقة سوف تطوي خلفها تلك الأيام الداكنة، التي لم يجن اللبنانيون منها سوى الدمار والخراب.