الاتهامات الموجهة للرئيس السوداني عمر حسن البشير من قبل المحكمة الجنائية الدولية تمثل تصعيدا خطيرا من جانب المحكمة في تعاملها مع السودان بشأن الوضع في إقليم دارفور‏,‏ مما يؤدي إلي مزيد من تعقيد الموقف‏,‏ ويهدد بانهيار جهود المفاوضات السياسية بين حكومة الخرطوم والمتمردين في دارفور من اجل التوصل الي تسوية الوضع في الإقليم

ويجيء توقيت هذه الاتهامات في وقت تشهد فيه الأوضاع السياسية في السودان تحسنا ملحوظا من ناحية اتفاق السلام بين الجنوب والشمال‏,‏ وإقرار قانون انتخابات جديد‏,‏ فضلا عن وجود مؤشرات إيجابية فيما يتعلق بأزمة دارفور تمثلت في المبادرة البريطانية التي اقترحت عقد اجتماع بين الجانبين لحل الخلاف‏,‏ بالاضافة إلي مواقف ايجابية من قبل الحكومة السودانية إزاء نشر القوات المشتركة في اقليم دارفور‏.‏

إن هذا التوقيت يثير التساؤل‏,‏ وقد يؤدي إلي دخول الأوضاع في الإقليم الي منزلق خطير كما أنه يشجع الحركات المسلحة علي عدم الالتزام بالعملية السياسية

والسؤال هو‏:‏ لماذا تستهدف المحكمة الجنائية الدولية دائما المسئولين السودانيين والمحسوبين علي الحكومة‏,‏ في حين أنها لم تستهدف مسئولي الحركات المسلحة رغم ارتكابهم جرائم آخرها محاولة اقتحام الخرطوم وأم درمان‏.‏

إن هذا الأمر يدعو الي الدهشة والأسف‏,‏ بل ويثير قلق الأمة العربية من أن تتحول المحاكمات أمام هذه المحكمة ـ التي أنشئت لضمان الاحترام الدائم لتحقيق العدالة الدولية وفقا لنظامها الاساسي المعتمد في روما عام‏98‏ ـ إلي محاكمات لإرهاب الدول الصغيرة‏,‏ وفرض هيمنة الدول الكبري عليها

إن توقيف رئيس دولة عربية تسعي جاهدة إلي حقن دماء ابنائها من خلال توحيد صفوفهم‏,‏ ووأد الفتنة بين أعراقهم هو وصمة عار في حق المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية في الوقت الذي يصمت فيه ـ منذ انشاء المحكمة عام‏1998‏ ـ عن جرائم الإبادة الجماعية التي ترتكبها كل يوم سلطات الاحتلال الإسرائيلي ضد شعب بأسره يعيش تحت الاحتلال العنصري الذي يمارس عليه ـ علنا وبلا استحياء سياسة التجويع‏,‏ والتشريد‏,‏ والقتل‏,‏ والإبادة‏,‏ والاغتيالات التي ترتكبها طائراته علي رموزه الوطنية‏,‏ مع سابقة الإصرار والترصد‏.‏ ولايحرك المدعي العام للمحكمة ساكنا ضد هذه الجرائم‏,‏ استخداما لصلاحياته التي نصت عليها المادة‏(15)‏ من النظام الأساسي للمحكمة‏.‏

وحتي يتجنب السودان أية اجراءات تنفيذية أخري للمحكمة‏,‏ فإنه ينبغي علي الرئيس السوداني اتخاذ عدة خطوات مهمة في مقدمتها تقديم كل من ثبت تورطه في ارتكاب الجرائم التي وقعت في أحداث دارفور الدامية الي القضاء الوطني السوداني ليقول فيهم كلمته‏.‏ فهذه هي الحجة التي تتذرع بها المحكمة وتتدخل من خلالها في الشئون الداخلية للسودان‏.‏

ومع التسليم بأن المحكمة لا وصاية لها علي السودان لأنه ليس عضوا بها‏,‏ وأن رئيس الدولة لديه حصانة‏,‏ ولايمكن توجيه أي اتهامات إليه وهو في منصبه‏,‏ إلا أن شعوب الأمة العربية والشعوب المحبة للسلام يساورها القلق من الآثار السلبية لطلب الاعتقال الصادر في حق رئيس دولة وأكبر رموزها في الوقت الذي يقود بلاده الي مرحلة جديدة من التحول الديمقراطي في ظل قانون انتخابات جديد يكفل اجراء انتخابات حرة ونزيهة في كل ارجاء السودان‏.‏