بذل الرئيس السوداني عمر البشير جهوداً كبيرة من أجل تحقيق المصالحة في بلاده خاصة في الجنوب الذي اكتوى بنار حرب استمرت نحو ربع قرن، وذلك قبل أن تخرج إلى الوجود أزمة دارفور التي أصبحت حديث العالم فجأة حتى تصدرت الأخبار أمام أحداث أفغانستان أو حتى العراق أو حتى الأزمة النووية الإيرانية مع الغرب.

وحتى في أزمة دارفور بذل الرئيس البشير جهوداً مضنية من أجل احتوائها، إلا أنه قد بدا واضحاً أن السودان ذلك القطر العربي الشقيق لا يراد له الاستقرار، ولا يراد لأبنائه التقدم.

فالسودان الأرض يبشر بمستقبل واعد ومزدهر حيث وفرة مياه الأنهار هناك، ناهيك عن الأرض الخصبة الممتدة شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً، وحيث الاكتشاف المتأخر للنفط في أراضيه، ناهيك أيضاً عن الكثير من المعادن، وحيث الثروة البشرية التي استفادت منها العديد من دول المنطقة.والسودان هو حلقة وصل مهمة بين العالمين العربي والإفريقي، وبين عالم مسلم وآخر مسيحي، وهو ملتقى لحضارات عدة وطوائف متعددة.

وإذا اعتبرنا أن هذه جميعها وغيرها مميزات تؤهل السودان للاعتداد به والاعتماد عليه، فيبدو في الوقت نفسه أن هناك من يرى أنها مميزات يجب الحد من إيجابياتها، كي يتشرذم السودان، ويتقوقع ويتراجع للخلف بدلاً من التقدم للأمام.فمنذ أن بدأ السودان يتنفس الصعداء بالكشف عن النفط عن طريق شركات صينية، ومنذ أن وطأت الاستثمارات العربية وغيرها الأراضي السودانية، ومنذ أن أصبح الرئيس السوداني يتحدث كثيراً عن الإسلام ويستشهد بالقرآن.

منذ هذا وذاك، أصبح السودان محطاً لأطماع قوى عظمى اتخذت من مشاكله الداخلية رغم ضآلتها في البداية ذريعة للنيل من كل مكتسباته، وهو ما يطرح تساؤلاً مهماً عن مصدر التسليح المكثف الذي كانت تتلقاه قوات الجيش الشعبي بالجنوب.ومصدر السلاح الذي تتلقاه الفصائل المختلفة في دارفور، ومصدر الأموال الباهظة التي أنفقت وتنفق على المكاتب الخارجية لهؤلاء وهؤلاء في العديد من عواصم العالم الغربي.

إنّ استهداف السودان بزرع الفتنة بين أبنائه ثم استهداف الرئيس السوداني من قبل محكمة العدل الدولية هي قضية يجب أن تستوقفنا جميعاً قبل فوات الأوان، حيث تبدو واضحة الأجندة الخارجية وهي تستهدف وطناً تلو الآخر، وقائداً تلو الآخر دون رادع ودون موقف جماعي يتصدى لهذه الهمجية التي تستخدم للأسف المنظمات الدولية غطاء شرعياً في صمت من أصحاب الضمائر.

ولأن هذه القضية بعيدة عن أي منطق قانوني حيث لا يجوز استهداف رئيس دولة بهذا الشكل، ثم ان هذه الدولة ليست عضواً بالمحكمة الجنائية الدولية، فإن موقف الاتحاد الإفريقي من القضية برمتها كان مشرفاً منذ البداية حيث استنكرت منذ اللحظة الأولى، وهو نفس موقف دول مجلس التعاون الخليجي على لسان أمينها العام، وهو ما نأمل أن نراه في اجتماع جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري السبت المقبل.

وبالتأكيد فإن اجتماعات جامعة الدول العربية بالذات هي محط الأنظار الآن ليس للشعوب العربية فقط التي تأمل أن تخرج بنتيجة على مستوى الحدث، وإنما هي أيضاً محط أنظار العالم الخارجي الذي يتابع بالتأكيد كيف سيكون رد الفعل العربي على منطق القوة هذا؟

إننا أمام قضية هي بمثابة مفترق طرق، إما أن نتساءل بعد ذلك عن الرئيس القادم الذي سيأتي عليه الدور، وإما ان نجد موقفاً نبيلاً وحاسماً يطالب بمحاسبة القادة الذين قتلوا مئات الآلاف في العراق ونهبوا ثرواته، وما زالوا يخططون لمزيد من أزمات سفك الدماء في العالم.