يروي صديق إماراتي ـ من رواد السفر كما تقتضي مشاغله ـ أنه كان قبل أسابيع في مطار عاصمة خليجية، ففوجئ بصالة ركاب الدرجة الأولى في المطار قد تغيرت إلى الأفضل واتسعت مساحتها وتحسنت خدماتها. سأل المسؤول عن القاعة: ما الذي حدث هنا؟ فجاءه الرد: هذه من بركات دبي!

ويشرح موظف الصالة تلك أن إدارة المطار شعرت بحرج كبير من وضع الصالة، إذ لا يمر يوم من دون أن يأتي مسافر من ركاب الدرجة الأولى متسائلاً: ألم تروا مطار دبي؟ أو: متى ستتعلمون من دبي؟

اضطرت إدارة المطار أن تبدأ في(إصلاح) حال تلك القاعة، ولعلها بداية ل(إصلاح) حال المطار بأكمله! وفي هذه القصة صورة للدور الحقيقي الذي تلعبه دبي اليوم على صعيد التنمية والإصلاح في المنطقة كلها. فما قصة المطار تلك إلا صورة مصغرة لدور تتزايد أهميته كل يوم، لهذه الإمارة الأنيقة والمتجددة بأفكار أهلها ورؤية قائدها. الحقيقة أن دبي اليوم تقود مشروع تغيير تنموي كبير في المنطقة كلها. وقصة المطار الخليجي أعلاه ليست سوى استشهاد بمشروع تنموي ضخم تقوده دبي.

فالتنمية ليست كلاماً كبيراً عن المستقبل أو خططاً خمسية على الورق فقط. إنها أولاً فعل. فعل على الأرض. وهي بدايةً خطط عملية لتحسين أوضاع الإنسان على الأرض. وهي أيضاً مشاريع عملية تتعلق بالرصيف الذي نمشي عليه، وبالطريق الذي نقود سياراتنا فوقه، وبالمستوصف الذي نأخذ إليه أطفالنا، وبالخدمة التي تمس حتى أبسط احتياجاتنا. إنها الأمن الذي نعيشه مع أسرنا في بيوتنا وفي السوق والشارع وعلى الشاطئ.

وهي تلك الفسحة من الاختيارات التي تمنحنا الاحترام لأنفسنا ومن معنا. ففي دبي، أنت إنسان بكامل قواك العقلية: لك أن تختار أين تذهب وكيف تقضي يومك. وأنت في دبي أمام فرصة حقيقية لتمتحن قناعاتك، فهل من الإنسانية أو من العقل أو من الدين أن يقاد الإنسان إلى ممارسة دينية بالقوة؟

ومن ذاق طعم الحرية الشخصية، حرية الاختيار بعيداً عن الوصاية التي تمارس على العقل، يدرك معنى أن يعيش في بيئة تحترم حريته وقناعاته، وتمنحه الفرصة أن يقرر لنفسه بنفسه من دون أن يتعدى ـ ولو بكلمة عابرة ـ على حق الآخرين حوله. هنا تأتي واحدة من شواهد الرؤية الحضارية والسلوك الحضاري التي أسست لها بجدارة دبي.

قبل سنوات قليلة كان كثير منا ممن يحث دائماً صانع القرار في العالم العربي على سرعة الإنجاز وإدراك حقائق التغيير الكبير في العالم من حولنا، أن ينظر إلى تجربة أوروبا أو أميركا أو اليابان في التنمية والبناء والاقتصاد والتعليم. وكان الرد عادة محبطاً، فكيف نقارن أنفسنا بمن سبقنا إلى التنمية والبناء والتعليم بعقود وربما قرون؟

أو كأن البقاء في ذيل كل قائمة تنموية هو قدرنا! اليوم أغنتنا دبي عن الاستشهاد بالتجارب البعيدة في الغرب وفي الشرق، إذ أصبحت دبي نفسها تجربة تنموية من عمق المنطقة العربية، تجربة أبهرت البعيد أكثر من القريب. فبناة النهضة التي تعيشها دبي قد نجحوا حتى في إبهار من سبقونا بسرعة المنجز ودقته وروعته.

هكذا هي دبي اليوم: محفز إيجابي على التغيير البناء، وعلى صناعة وعي تنموي عربي جديد، بعقول عربية منفتحة على التجارب العالمية وفي قمة الوعي بأهمية الركض سريعاً نحو الأفضل والأحدث والأتقن. ويبقى الإنسان ركيزة مهمة في هذا المشروع التنموي العملاق.

قبل أسبوع، ذهبت مع زائر لدبي كان على موعد لقاء مع نخبة من شباب الإمارات في مؤسسة ثقافية مهمة في دبي. استمع الزائر إلى عدد مبهر من مشاريع الثقافة التي تخطط لها دبي، مشاريع عملاقة ستجعل من دبي في سنوات قليلة وجهة ثقافية عربية وعالمية مهمة، وحينما عدت مع الزائر إلى فندقه سألته عن رأيه فيما سمع ورأى، فإذا به يجيب: ليس عندي أدنى شك أن كل فكرة تتبناها دبي ستنجح وستتفوق. لم تبهرني الأفكار وحدها، لكن ما أبهرني أكثر كان تلك النخبة من شباب الإمارات الذين يديرون تنفيذ هذه المبادرات بكل ثقة ومهنية وحماس.

النخلة الكبيرة لا يمكنها أن تثمر رطباً طيباً إن زرعت في غير بيئتها. والأفكار التنويرية لن تعطي أكلها إن لم تتهيأ لها بيئة صالحة ترعاها وتترجمها إلى فعل، إلى مشهد متفاعل بين الإنسان وأفكاره.

وهذا ما تفعله اليوم دبي. إنها تصنع مناخاً جديداً لكنه عملي وواقعي، للإبداع والأفكار الخلاقة. إنها تهيئ لجيل جديد من القيادات الشابة، في شتى القطاعات، للتعامل الواثق مع تحديات المستقبل وإمكانياته. ولهذا لا بد من تذكير أولئك المتخصصين في التشكيك في كل تجربة نجاح عربية، بأهمية النظرة العقلانية للصورة الكبيرة من حولنا. انظر حولك وتأمل أوضاع منطقتنا: الخبر الإيجابي في العالم العربي اليوم يأتي غالباً من دبي.

الفكرة الخلاقة المبدعة تنطلق من دبي وتصبح واقعاً حقيقياً في دبي. أخبار النجاحات على أصعدة الرياضة والاقتصاد والتعليم والعقار تأتي من دبي. أفلا يحق لنا أن نحتفي بواحدة من تجارب النجاح النادرة جداً في عالمنا العربي؟ لماذا نهرب من الاعتراف بفشلنا أو إخفاقنا، بمحاولة الانتقاص من تجارب الآخرين ونجاحاتهم؟

ولماذا لا نقرأ في تجربة دبي صورة مشرقة لما يمكن للإنسان العربي أن ينجزه بتفوق وإبداع، بعد هيمنة طويلة للإحباط والكسل والتراجع؟ أم أن الخجل من إخفاقاتنا وفشلنا يتحول إلى نقمة على تجارب النجاح النادرة في محيطنا؟ تلك أسئلة أوجهها لبعض كتاب الصحف العربية الذين يعتقدون أن الانتقاص من تجربة التفوق الفريدة في محيطنا، سينقذهم من مشاعر الإحباط والفشل المنتشرة حولهم منذ زمن!

كاتب ومستشار إعلامي

hattlan@post.harvard.edu