استوقفني مقال نشر في الأسبوع الماضي لأحد كتابنا المحليين، تطرق فيه إلى موضوع التنمية التي تشهدها الدولة، وربط بين هذه التنمية وبين موضوع التركيبة السكانية ربطاً لا فكاك منه، بحيث أصبح هذان الأمران متلازمين بشكل مطلق. إذ يتراءى لمن يقرأ المقال أن التركيبة هي نتيجة مباشرة وحتمية للتنمية، وأن التنمية هي التي أفضت إلى التركيبة بأزمتها الحالية.
ويخيرنا الكاتب في مقالته بين أمرين أحدهما مر، كما يقال، فإما أن نستمر في طريق التنمية العمرانية والبشرية والمعرفية الحالية، ويكون ثمن ذلك أن نفقد هويتنا وانتمائنا وشعبنا، أو أن نتمسك بهذه الهوية مقابل أن نضحي بالتنمية ــــ على الأقل بمعدلاتها الحالية ــــ وبكل إنجازات الدولة خلال مسيرة ثلاثة عقود ونيف، منذ تأسيس الاتحاد وحتى يومنا هذا.
ولا يخالجني شك في أن الدافع وراء المقال هو غيرة الكاتب الوطنية وحرصه غير المشكوك فيه على الإمارات دولة وشعباً وانتماءً، إلا أن الأمور لا تقاس بمنظار الأبيض والأسود، وإنما هناك مساحة واسعة بينهما تختلط فيها الألوان وتتشابك فيها الرؤى، مما يستوجب معه النظر إلى الأمور بواقعية وعملية.
إن موضوع التركيبة السكانية همّ، بل وهم خطير، ويجب التعامل معه بكل جدية، ولكن لا يجب أن ينسينا ذلك أن هذا الهم قد نبتت جذوره قبل سنتين، وساهمنا جميعاً في نشأته ونموه وبلوغه مرحلة الخطر. ولئن أدت التنمية التي نشهدها اليوم إلى تفاقم أزمة التركيبة، إلا أن التركيبة سابقة على التنمية وستظل أزمة التركيبة قائمة حتى لو ضحينا بهذه التنمية، وذلك ما لم يتم التعامل مع التركيبة على نحو جدي وبشكل شامل وهو ما سنتطرق له لاحقاً.
أما التنمية فهي من مفاخر الدولة، ومن الخطأ القول بوجوب التضحية بها وبكل مكتسباتها. لقد حققت الدولة في غضون فترة زمنية قصيرة معدلات نمو قياسية، وأنشأت بنية تحتية متطورة، وتحولت الدولة إلى مركز مالي وتجاري رائد، وباشرت مبادرات متميزة في مجال التعليم والصحة والتنمية البشرية. وأصبحنا نتبوأ مركز الريادة في مجالات عديدة، وليس من المنطق الانصراف عن ذلك كله والقول انه لا يستهوينا أن نكون الأول والأكبر والأفخم والأسبق. لماذا تكون نظرتنا إلى أنفسنا دونية بحيث لا نتصور أن تكون لنا الريادة وأن يكون لنا السبق؟
إن كانت مواردنا شحيحة فعزائمنا عالية، وإن كان تاريخنا حديثاً فإن آمالنا بحجم الجبال الراسية. لقد ضربت دولة الإمارات المثل في تقديم نموذج نجاح لدولة عربية معاصرة، وسط خضم من الفشل والأزمات المتلاحقة المحيطة بالمنطقة، فلِمَ نواري أنفسنا تحت التراب وندهم ما بنيناه في عقود؟
ما المانع أن تكون معدلات التنمية لدينا عالية وأن تظل كذلك لسنوات طويلة قادمة؟ إنما ما تحقق للدولة حتى اليوم من تنمية إنما جاء نتيجة جهد وعمل شاقين، ولا يجوز التفريط بهذه المكتسبات.
إن القول بوقف مسيرة التنمية أو حتى إبطائها قول خطير، لأن الوطن ليس حقل تجارب بحيث نغير اليوم ما اعتمدناه بالأمس. كما أن الزمن لا يرحم المتخاذلين والمتقاعسين، ووقوفنا اليوم سيجعلنا في تلك القائمة غداً، لأن الكل يتقدم والكل يتحرك، ولا يجوز أن نكون نحن في موقف المتفرج. نعم قد تشوب هذه التنمية بعض الشوائب، ولكن الحل يكون بمعالجة هذه الشوائب وإزالة آثارها، لا بالقضاء على التنمية وإزالتها.
أما موضوع التركيبة فهو كما أشرت إليه هم، ولكن يجب أن نعترف اننا لم نتعامل حتى اليوم مع هذا الملف المهم بجدية توازي أهميته وخطورته. وكل التصورات التي تطرح في هذا المجال إنما هي اجتهادات تغلبها العاطفة وتجانب الواقع. إن نقطة البدء في معالجة أزمة التركيبة هي الإقرار بأن هذا الملف مسؤولية مشتركة بيننا جميعاً حكاماً ومحكومين، مسؤولين وأفراداً، باعتباره يمس أعز ما نملك وهو الوطن.
وأن يتم التعامل مع هذا الملف بنظرة شمولية وواقعية، مع وضع المرحلية نصب أعيننا، لأنه لا يمكن أن يعالج هذا الملف الذي نشأ على مدى عقود، بين ليلة وضحاها. فزمن المعجزات قد ولى، والأمر يحتاج إلى خطط علمية مدروسة ضمن ميثاق وطني يتفق عليه الجميع ويشارك في تنفيذه الكل.
خطط تعتمد على الأرقام والدراسات، وتعتمد مجموعة متكاملة من الحلول المختلفة المعتمدة على مراحل زمنية حتى نصل إلى المطلوب، إذ أن بعض ما يطرح من حلول في هذا الصدد أقرب إلى الخرافة منه إلى الحل، كالمناداة مثلاً بإغلاق الباب بشكل كامل دفعة واحدة أمام جميع القادمين، أو المناداة باستبدال جنسية بأخرى بشكل كلي، أو الرجوع إلى زمن ما قبل النفط والاعتماد على الماء والتمر كوسيلة للعيش.
إن المناداة بأمثال هذه الحلول غير الواقعية، هي التي أوصلتنا إلى ما نحن فيه من أزمة في التركيبة، ولو ظلت حلولنا للتركيبة تدور في هذا النسق فإن ما أخشاه هو أن يتم ترحيل الحل إلى الأجيال القادمة.
إننا مطالبون اليوم بدعم عملية التنمية التي تحمل في طياتها مستقبل أبنائنا وأجيالنا. أما الحفاظ على الهوية والانتماء فهو مسألة محسومة لا يشكك فيها أحد. وما نحتاجه هو الاتفاق على برنامج وطني يؤكد هذا الانتماء ويرسخ هذه الهوية.
كاتب إماراتي