تشهد منطقة النزاع الجورجي ــــ الأبخازي والحدود الجورجية الأوسيتية تصاعداً في حدة التوتر بين الأقليمين المتمردين من جهة، والحكومة الجورجية من جهة أخرى، وقد شهدت الأيام الماضية وقوع عدة انفجارات في أبخازيا، واتهام السلطات الأبخازية لأجهزة الأمن الجورجية بتدبير هذه التفجيرات. كما جرى تبادل إطلاق نار بين الجانبين في منطقة النزاع.

وقررت روسيا رفع احتدام النزاع إلى مجلس الأمن، بعد أن ألقي القبض على أربعة مجندين جورجيين. وتشير سوخومي إلى أن تبليسي تستعد لشن عملية عسكرية ضد أبخازيا، حيث قدمت إلى مجلس الأمن الدولي مسودة قرار يطالب كافة الأطراف بالتخلي عن استخدام القوة دون قيد أو شرط، إلا أن جورجيا رفضت مسودة القرار.

وقد أصدرت الخارجية الروسية بياناً اعتبرت فيه أن سياسات جورجيا ستؤدي إلى تهديد أمن القوقاز، واتهمت القيادة الجورجية بأنها اختارت طريق تصعيد التوتر في العلاقات مع أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية، وأنها تخطط لاحتلال أراضي الأقليمين المتمردين بالقوة.

ويبدو أن واشنطن تدفع في اتجاه لجوء حكومة تبليسي إلى استخدام القوة في حل مشكلة النزاع بين جورجيا وإقليمي أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية. وكان ملحوظاً أنه وفي الوقت الذي قامت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس بزيارة إلى جورجيا، والتقت مع الرئيس ميخائيل ساكاشفيلي، شهد النزاع في جنوب القوقاز تصاعداً حاداً، ودعت رايس كلاً من روسيا وجورجيا إلى وضع حد للعنف. وجاء رد وزير الخارجية الروسي على تصريحات الوزيرة الأميركية، ليؤكد أن إدراج جورجيا في خطة العمل الخاصة بالانضمام إلى حلف الناتو، سينسف إمكانية تسوية النزاعين الجورجي الأبخازي والجورجي الأوسيتي.

وتقدمت واشنطن بخطة جديدة لتسوية النزاع سلمياً. وتنص الخطة الأميركية على نشر قوة شرطة دولية في أبخازيا، وهو ما يتجاوب مع رغبة جورجيا في استبدال وحدة قوات السلام الروسية المنتشرة في أبخازيا، ولكن الجانب الأبخازي رفض هذا المقترح. وتجدر الإشارة إلى أن رابطة الدول المستقلة التي ما زالت جورجيا تحتفظ بعضويتها فيها، قد كلفت قوات صيانة السلام الروسية بالانتشار في أبخازيا، إضافة إلى أن أكثر من 200 ألف من سكان أبخازيا يحملون بطاقات أحوال مدنية روسية، نظراً لأن أبخازيا لم تحصل على اعتراف دولي باستقلالها.

ويبدو أن حكومة تبليسي قد حصلت على مساندة غربية بضرورة حسم الصراع بالقوة وبشكل سريع، باعتبار أن الوضع الراهن يعيق انضمامها للناتو، وفي نفس الوقت يؤثر على خطط الاستفادة من الأراضي الجورجية في نشر منظومات صاروخية. ومن غير المستبعد أن تتفجر حرب ثانية في المنطقة، بهدف جر روسيا لبؤرة جديدة من أجل استنزاف قدراتها، حيث تشير التطورات إلى إمكانية نشوب صدامات مسلحة بين أبخازيا وجورجيا في الأيام القليلة المقبلة، وهو ما دفع إلى رفع مستوى تأهب وحدات قوة السلام الروسية في منطقة النزاع الجورجي الأبخازي، بسبب توتر الوضع في منطقة النزاع والأعمال الاستفزازية ضد أفراد قوات السلام الروسية.

إن تفجير الوضع في منطقة القوقاز بعدما وصلت إمكانيات التفاهم الروسي ـــ الأميركي إلى طريق مسدود في عدد من الملفات الدولية، أصبح متوقعاً، وهو بالتأكيد يشكل خطورة على أمن بلدان الفراغ السوفييتي السابق، ليس فقط بسبب مضاعفات الصدامات العسكرية، وإنما لأنه سيجعل هذه البلدان تنقسم إلى جبهات تدخل في مواجهات، وهو ما يحقق المصالح الأميركية في إشاعة الفوضى الخلاقة، والدخول إلى القوقاز ووسط آسيا، بعد أن واجهت واشنطن ضغوطاً آسيوية من أوزبكستان وقرغيزيا لإخراج قواتها من منطقة الفراغ السوفييتي الآسيوية.

ويبدو أن البيت الأبيض الأميركي لم يعد حريصاً على التفاهم والمساومة، وبدأ يسعى للهيمنة على كل شيء، دون احترام مصائر شعوب المنطقة ومصالحها وأمنها.

كاتب ومحلل سياسي أوكراني

vladi1949@mail.ru