منذ الكشف عن المفاوضات غير المباشرة والرسمية بين إسرائيل وسوريا بوساطة تركية، تصاعد النقاش لدى المستوى السياسي داخل الدولة العبرية الصهيونية، حيث انقسم طرفا النقاش بين من يعتقد بأن المفاوضات مع دمشق جادة وتشكل ( شق طريق ) نحو سلام مع سوريا، وبين من يشكك بذلك، خصوصاً وأن المعارضة الإسرائيلية وعلى رأسها بنيامين نتانياهو لا ترى بالمفاوضات مع سوريا سوى محاولة من أيهود أولمرت للتغطية على فضائح الرشاوى الملاحق بها.
وأن سوريا تريد المفاوضات أيضاً للوصول إلى الولايات المتحدة وإغلاق الملفات السياسية المثارة بوجهها من لبنان إلى العراق، معتبراً بأن سوريا ليست ناضجة بعد للدخول في عملية سلاكم حقيقية، وهي ترغب في اقصى الاحوال بزاوية دافئة فقط على كتف أميركية، أما السلطة الفلسطينية فليس هناك حكم كاريزماتي قادر على تطبيق الاتفاقيات.
وفي هذه الأثناء يبدو أيهود أولمرت مازال مصراً على مواصلة المفاوضات بشكل مترافق على المسارين الفلسطيني والسوري لأسباب داخلية استعمالية بالدرجة الأولى، حيث يواجه عاصفة من الاتهامات والملفات المرفوعة ضده بشبهة حصوله على رشاوى مالية، كما يواجه بعض التباينات مع حليفه الائتلافي أيهود باراك، فينما يرى الجنرال باراك بالمفاوضات مع سوريا (مرحلة التحسس وجس النبض ) فان اولمرت يقول بصراحة ان المسألة تتعدى «الحديث عن أكثر من تحسس، فالأمر جدي، انه تفاوض مكشوف بين الدولتين».
ونتيجة للضباب المخيم على مجرى ومسار المفاوضات غير المباشرة السورية الإسرائيلية عبر القناة التركية في استانبول، ومع أن ما هو متوافر من معلومات عن درجة التقدم في هذه المفاوضات شحيح، باستثناء الانطباعات الايجابية التركية، فان المصادر الإسرائيلية المعنية بالقضايا الأمنية تعمل ناشطة بدورها على تقديم معلومات مشوشة أحياناً، ومغلوطة في آن واحد.
كما تعمل على إثارة مناخات من الالتباس تجعل من الصعوبة بمكان إعطاء التقديرات الصحيحة لمدى النجاحات حال تم انجاز تقدم ما بالنسبة للعناوين المطروحة على طاولة المفاوضات غير المباشرة، خصوصاً منها المسائل التي باتت منذ فترة طويلة تشكل عقبة كأداء على طريق المفاوضات بين الطرفين منذ اصطدامها بالجدار السميك في مفاوضات شبيرزداون في الولايات المتحدة نهاية العام 2000، وتحديداً بالنسبة لمستوجبات قرارات الشرعية الدولية، ولمبدأ الانسحاب الشامل، وضرورة الإقرار الإسرائيلي بوديعة رابين كما تطالب سوريا.
ومن بين الضباب والتعتيم، نقرأ مؤخراً تقديرات متضاربة لشعبة المخابرات العسكرية الإسرائيلية المسماة بـ (أمان)، ومن بين تقديراتها الأكثر تواتراً في الفترات الأخيرة، تأكيدها بأن بأن احتمالات التوصل إلى اتفاق سلام بين سوريا وإسرائيل مازالت ضئيلة جداً.
وأن سوريا تلعب بورقة المفاوضات لتحقيق جملة من الأغراض دفعة واحدة، خصوصاً وأن سوريا نفسها تعلم بأن الإدارة الحالية في الولايات المتحدة مؤيدة بقوة لإسرائيل، ولذلك فإن القيادة السورية تفضل الانتظار حتى شهر آذار/مارس من العام المقبل حتى تستقر إدارة أميركية جديدة بعد الانتخابات الرئاسية في نهاية العام الجاري للدخول في مفاوضات جدية بدلاً من مفاوضات ضائعة لإشغال الفراغ السياسي.
ومع ذلك، فعلى الرغم من التقديرات المتشائمة لشعبة الاستخبارات العسكرية بخصوص احتمالات التوصل إلى اتفاق سلام إسرائيلي سوري، فإن قيادة الجيش الإسرائيلي، وفي مقدمها رئيس أركانه غابي أشكينازي، تؤيد بصورة مطلقة إجراء مفاوضات مع سوريا لأن من شأنها أن تخفف التوتر عند الحدود بين الجانبين وبين إسرائيل ولبنان، كما يشير غابي أشكينازي أن مجرد إجراء اتصالات مع سوريا سيأتي إسرائيل بفائدة اكبر من دونها حيث ستفضي قبل كل شيء إلى تقليل التوتر في الجبهة الشمالية.
وعليه، فقد قال نائب وزير الدفاع الإسرائيلي متان فيلنائي في تصريحات أدلى بها مؤخراً لإذاعة الجيش الإسرائيلي، إن «العملية السياسية بين إسرائيل وسوريا تهدف إلى إخراج دمشق من دائرة القتال عند الجبهة الشمالية لإسرائيل ودفعها إلى قطع علاقاتها مع إيران وحزب الله »، كذلك، يرى أن «المفاوضات ستزيل التخوفات السورية من أن إسرائيل تستعد لمهاجمتها.
وستقلص احتمالات قيام سوريا بالرد بطريقة ما على الغارة الإسرائيلية وتدمير منشأة دير الزور السورية في أيلول الماضي، أو على اغتيال القيادي في حزب الله، عماد مغنية، في قلب دمشق في شباط الماضي ». بينما يقدر جهاز الأمن الإسرائيلي المسمى بـ (الشاباك) وهو الذراع الثانية في أجهزة الأمن الإسرائيلية بعد الاستخبارات العسكرية (أمان) بأن «عملية تفاوض متواصلة مع سوريا ستساعد على إخراج سوريا من محور الشرّ وفك ارتباطها بإيران».
ومن الواضح أن تقديرات شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية (أمان) الأخيرة، تبلورت خلال مداولات عقدت مؤخراً، ومستندة إلى الرأي الذي يقول : «ان سوريا مهتمة بمواصلة المفاوضات لأسباب تتعلق بملفات ثانية تعمل على حلحلتها، وصولاً إلى إدخال الولايات المتحدة إلى قلب العملية التفاوضية بينها وبين إسرائيل بعد شطب اسمها من قائمة (الدول المارقة) والحصول على مكاسب اقتصادية ».
كذلك فإن السوريين، بحسب شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية «مهتمون بتخفيف الضغوط الدولية على أثر اتهامهم بالمسؤولية عن اغتيال رئيس الحكومة اللبنانية الأسبق رفيق الحريري ».
وتضيف المخابرات العسكرية الإسرائيلية في تقديراتها، بأنه على عكس التوقعات السورية، فإن الإدارة الأميركية الحالية، وعلى رأسها الرئيس جورج بوش ونائبه ديك تشيني ووزيرة الخارجية كوندوليزا رايس، ليس لديهم نية بالمشاركة في المفاوضات الإسرائيلية السورية وان رحبا بها، فالإدارة الأميركية مازالت ترى بسوريا دولة متهمة بعدد من القضايا التي تثير التوترات الإقليمية في المنطقة من لبنان إلى العراق، وتضيف تقديرات المخابرات العسكرية الإسرائيلية بأن الولايات المتحدة ومع اقتراب أفول عهد إدارة الرئيس جورج بوش الابن باتت أقل حرصاً من المفاوضات على المسار الإسرائيلي السوري لصالح المسار الإسرائيلي الفلسطيني.
من جانبها فان مصادر سياسية إسرائيلية بعيدة عن دوائر الاستخبارات ترى بأن الأفاق مفتوحة للتوصل إلى نتائج جيدة في المفاوضات السورية الإسرائيلية عبر القناة التركية، مستندة في موقفها ورؤيتها إلى عوامل عديدة، بينها ما تقوله من أن «الصراع الإسرائيلي السوري هو صراع إقليمي فحسب، وأن المطلب السوري ينحصر في استعادة هضبة الجولان ؟ »، كما ترى أن «نظام الحكم المركزي في سوريا قوي ومستقر، ما يجعل قدرته على الالتزام باتفاقات كبيرة جداً ».
كاتب فلسطيني ـ دمشق