وضع الزعماء ال43 للدول التي شاركت في إطلاق الاتحاد من أجل المتوسط في باريس، الخطوط العريضة «ليبنوا معا مستقبل السلام والديمقراطية في الشرق الأوسط»، دون طرح أي مبادرة جديدة من أجل حل المشكلات السياسية، والتي تعد عصب أي بناء متوسطي في المستقبل. غير أن هذا المشروع لن يكون محصنا من المطبّات التي وقع فيها مسار برشلونة، مما يطرح أسئلة عدة عن الضمانات التي ينبغي تأمينها لوضعه على السكة.
وإذا تجاوزنا اللقاء التقليدي للرئيس الفلسطيني محمود عباس في ندوة صحافية مع أولمرت، والاتفاق السوري اللبناني بشأن فتح سفارتين في كل من بيروت ودمشق، فإن الحصيلة السياسية للقمة تعتبر في نظر المتابعين غير مشجعة، حيث إن مجرد لقاء العرب والإسرائيليين في مؤتمر باريس لن يقود إلى نجاح الشراكة المتوسطية، علما أن التسوية السلمية للصراع العربي الإسرائيلي عامل أساسي في نجاح الشراكة المتوسطية.
فالعرب لم يطلبوا من الاتحاد المتوسطي إيجاد حلول للصراع الإسرائيلي الفلسطيني لان الحلول موجودة ومعروفة، وهي إنهاء الاحتلال (الإسرائيلي) والاستيطان وقيام دولة فلسطينية والانسحاب من جميع الأراضي المحتلة في لبنان وسوريا وفلسطين، ولا أن يتدخل في مفاوضات السلام في الشرق الأوسط، بل دعم هذا الحل السياسي المعروف.
تكون فرنسا قد نجحت دبلوماسيا فعلا في جلب أغلبية القادة العرب المدعوين للمشاركة في القمة، لكن تبقى تساؤلات عن الصلاحيات المستقبلية لمشروع الاتحاد من أجل المتوسط. كما أن هناك تخوفا من إمكانية اقتصار هذا الاتحاد على اتفاقيات اقتصادية وأمنية وثقافية، وكونه مجرد عملية علاقات عامة لنيكولا ساركوزي.
فقد لوحظ أن البيان الختامي شمل خططا لتحسين مرافق الموانئ وطرق البحرية والأعمال البيئية، بالإضافة إلى تأسيس طرق رابطة بين دول شمال إفريقيا. وبما أن جميع الأطر القانونية للتعاون على كل الأصعدة بين الاتحاد الأوروبي والدول المتوسطية حسمت منذ أكثر من عشر سنوات، يظل هناك سؤال مفصلي: هل من حاجة للاتحاد من أجل المتوسط؟
العوامل المؤثرة على مسار المشروع الجديد متعددة إذن، وهي عوامل معقدة للغاية، يتشابك فيها الداخلي لكل بلد مع ارتباطات البلد الإقليمية والدولية، ومع مشكلات قديمة لم تجد سبيلا للحل منذ زمن بعيد. ففي شرق المتوسط ثمة صراع عربي إسرائيلي، وتناحر إقليمي، وإعادة تشكيل لبنية النظام الإقليمي، وفي غرب المتوسط هناك أزمات هجرة واقتصاد وثقافة، وقواسم فرنسية ـ مغاربية مشتركة في مجالات متنوعة.
وبين المنطقتين متغير أصيل في المعادلات الإقليمية والدولية هو المتغير الأميركي. وتبقى بعض النقاط العالقة في الإعلان الختامي تتعلق بكيفية الإشارة إلى عملية السلام في الشرق الأوسط، مع معارضة إسرائيل لأي ذكر لمبادرة سلام الجامعة العربية أو دعوة إلى منطقة شرق أوسط خالية من أسلحة الدمار الشامل.
كما لم تحسم قضية الرئاسة المزدوجة للمنظمة الجديدة، ومدة الرئاسة المشتركة للدول الواقعة جنوبي المتوسط.. وقضايا خلافية أخرى عديدة جرى تأجيلها إلى نوفمبر المقبل، مثل مقر الأمانة العامة.
