تقدّمت الظروف والمعطيات المرتبطة بالدرع الواقية من الصواريخ المعادية، مع اشتداد الحرب النفسية بين الأطراف »المتورطة« فيها، حيث شكّلت عملية التوقيع الرسمية التي جرت في براغ مؤخرا، مرحلة متطورة من مراحل التوسع العسكري الأميركي الآخذ بالتبلور تدريجيا على الخارطة الأوروبية والعالمية على حد سواء.
وقد برزت في هذا السياق سلسلة من المؤشرات البارزة التي قد ترسم صورة، وإن ضبابية، حول ما يمكن أن تؤول إليه الأوضاع على الساحة الدولية، في حال صادقت الدول المعنية بشكل نهائي على هذا المشروع العسكري الفريد، والذي بدأت ملامحه الخفية تتّضح شيئا فشيئا.
ويبدو أن أقل ما يمكن أن يقال في ما يجري، هو أن هذه التطورات قد أطلقت العنان للخيال السياسي بشتى أطيافه، وسمحت للمراقبين بأن يتوقعوا أكثر من سيناريو، لا سيما وأن اللغة التي باتت تصدر عن مراكز صنع القرار في العواصم المعنية، قد وصلت إلى درجة خطيرة من الغليان، بحيث بات من الممكن توقع أسوأ السيناريوهات.
في ما يتعلق باحتمالات المصادقة على مشروع الدرع، فإننا نبدو حاليا أمام بعض المشاهد المتفاوتة كليا في وضوحها ومدى تطورها. المشهد الأول هو ذلك الذي عكسته زيارة كوندوليزا رايس إلى براغ، وتجسّدت فيه علامات الدعم الحكومي الثابت في ما يخص الموافقة على التمدد العسكري الأميركي، المغلّف طبعا بعبارات التضامن الأورو ـ أطلسي وما شابهه، بالرغم من أن هذا المشهد يترافق من جهة أخرى مع حالات الاحتجاج الشعبية المتنامية، والمواقف الصريحة لبعض الأحزاب التشيكية الرافضة بشدة لتواجد القوات الأميركية.
وإن دلّ ذلك على شيء، فإنه يدلّ بالدرجة الرئيسية على وجود رغبة جامحة لدى بعض القوى، لحماية ما تصفه بالانتماء السياسي الاستراتيجي الذي تبنّته البلاد بعد التغييرات الكبيرة التي شهدتها منطقة وسط أوروبا، معتمدة في ذلك على معادلة تعتقد أنها جوهرية لحماية هذا الانتماء، مفادها أن الارتماء عسكريا في أحضان الولايات المتحدة سيمنع ذوبانها مجددا في الفضاء الأمني الروسي، الذي تمكن في السابق من فرض نفسه في محيط أوروبا الوسطى بأشكال مختلفة.
ولأن العصر الحالي هو عصر التكامل الأوروبي وتعزيز التحالفات الأورو ـ أطلسية، المترافق من جهة أخرى مع تراجع قدرة الآخرين على تحقيق التوازن الاستراتيجي المطلوب، فإن هذه القوى تعتقد أنه قد يكون من الضروري استغلال الوقت الذي يمر بسرعة، من أجل تحقيق أكبر كمية ممكنة من »المكاسب« في ما يخص التمدد الاستراتيجي، خصوصا وأن أنياب الطرف الآخر الذي باتت روسيا تشكل رأس حربته، قد بدأت تنمو وتظهر بين الفينة والأخرى، لكنها تبدو حتى الآن غير قادرة على توجيه الضربة القاصمة عندما يكون ذلك ضروريا.
المشهد الثاني الذي أطل علينا من وراء ستار مسرحية الدرع الواقية، هو ذلك الذي تلعبه بولندا حاليا، والذي تحاول من خلاله أن تقنعنا بثبات موقفها في ما يخص إصرارها على الدفاع بشدّة عن سيادة أراضيها واستقلال موقفها السياسي، وذلك من خلال تمسّكها ببعض الثوابت خلال محادثاتها مع الجانب الأميركي.
ويبدو أن بعض المحللين السياسيين قد بالغوا بالاقتناع بهذا الموقف البولندي، لدرجة اعتبارهم بعض التصريحات الصادرة عن المسؤولين البولنديين بمثابة رفض رسمي للمشاركة في مشروع الدرع الواقية، في حين يبدو لي شخصيا أن ما تسعى إليه بولندا هو في واقع الأمر ممارسة للنشاط الدبلوماسي بشكل نقي وبارع، بحيث تسعى لاستغلال ذلك التوق الأميركي لتحقيق التوسع العسكري، لكي تحقق مكاسب مختلفة قد تستفيد منها قواتها المسلحة في تعزيز قدراتها العسكرية، وغير ذلك من الأمور.
من هنا، فإن كل ما يقال حاليا عن رفض بولندا للانضمام إلى مشروع الدرع الواقية هو سابق لأوانه، لأن التحركات الدبلوماسية النشطة وإن تميّزت ببعض الحدة أحيانا، تشير إلى عكس ذلك تماما. يضاف إلى ذلك أيضاً أن بولندا وبحكم موقعها الجيو ـ سياسي الحساس جدا، تعي أن رفض المشاركة في هذه الدرع سيضعها أمام خيارات أخرى، أقلّ ما يمكن أن يقال فيها أنها لن تسمح لها بتحقيق مكاسبها وطموحاتها المرجوة.
أما المشهد الثالث الذي لفت انتباهي في خضم ما يجري من تطورات على صعيد الدرع الواقية، فهو المعادلة التي يحاول طرفا الصراع رسمها في إطار حربهما الدعائية لتوضيح الأسباب الموجبة لبناء الدرع المذكورة. ففي حين أصرت الوزيرة رايس على اعتبار إيران منطلقا للشر المستطير الآتي إلى أوروبا بكافة تفاصيلها وتفرعاتها.
وبالتالي يجب بناء الدرع لمجابهتها وحماية »الحضارة الأوروبية والعالمية«، أفاد الخبير الروسي (في الدروع الواقية) يفغيني بوجينسكي، خلال محاضرة خاصة استضافها الحزب الاجتماعي الديمقراطي التشيكي بالتزامن مع زيارة رايس إلى براغ، بأن إيران لا تشكّل في الوقت الحاضر خطرا عسكريا استراتيجيا، إلا على دولة واحدة في العالم هي إسرائيل.
لقد أثار هذا التصريح انتباهي، انطلاقا من حقائق الصراع الدولي القائم وما يتفرع منه إلى منطقتنا تحديدا، لأنه أشار إلى نقطة في غاية الأهمية، وهي أن إسرائيل قد تكون مستفيدة بشكل أو آخر من الدرع الواقية، والتي حسب تعبير رايس وغيرها لن تبنى في تشيكيا وبولندا لوحدهما، بل ستكون لها تفرعات على مستويات أخرى سيتم توضيحها لاحقا.
وبغض النظر عن الحالة الإعلامية الدعائية التي قد يحاول أي طرف استخدامها لإثارة التأييد للأهداف التي يأمل تحقيقها، فإن مجرد الإشارة إلى احتمال توسيع دائرة الدرع الواقية من أوروبا الشرقية إلى أماكن أخرى، سيفسح المجال مرة أخرى أمام نفس التكهنات التي تحدثنا عنها في جانب آخر من هذا السرد.
لا يسعنا في هذا السياق إلا أن نأمل بأن لا يذهب الأميركيون في خيالهم الجنوني، إلى ما هو أبعد من العراق وأفغانستان.
