منذ أن بدأت الولايات المتحدة الأميركية عملية نقل وتوطيد وتعزيز الديمقراطية في العراق، لم يهدأ لأحد من أصحاب الشأن بال. محلياً يعاني أغلب الشعب العراقي من القتل والدمار وانتهاك الحرمات وانعدام الأمن والأمان. إقليمياً بات العراق في حالة تأزم مع جيرانه في كافة الجهات، بتهم تتراوح بين التآمر ودعم وتنفيذ المقاومة والإرهاب. دولياً أحدثت الحالة العراقية انقساماً وشرخاً في العلاقات الدولية، ما بين قانع بضرورة الاحتلال الأميركي ومعارض له.
عبر وسائل الإعلام المحلية والإقليمية والعالمية اليوم، لا تكاد جميعاً تخلو من صورة العراق الجريح النازف بحدة، طاقات بشرية وخيرات ومقدّرات. جل شعوب الأرض وأنظمتها الرسمية اليوم تعترض بطريقة وبأخرى على التواجد الأميركي في العراق، الذي بدأ وبقي دموياً بامتياز. لم يبق من ورقة إعلامية »رابحة« على شكل مبرر لبدء الغزو واستمرار الاحتلال الأميركي، سوى الوقوف على قبر صدّام حسين والتغني بالانتصار على الدكتاتورية.
منذ بداية الغزو والاحتلال مثّل المشهد العراقي الأليم حالة الاحتكاك والصراع بين حضارتين على طرفي نقيض، الحضارة العربية الإسلامية والغربية الأميركية. أنهار من الدماء لا تزال تسيل، مع استباحة مستمرة للحقوق الإنسانية والمقدّرات، وعربدة مبنية على التفوق العسكري الذي في جله تقني. الإدارة الأميركية ماضية في رفض الانصياع أو التماشي مع الرأي العام المحلي والإقليمي والدولي المعارض للاحتلال.
أخيراً كشّرت إدارة بوش عن كل أنيابها، حين أزيح الستار عن اتفاقية أمنية استراتيجية بعيدة المدى. مدى الاتفاقية ربما يُحسب حتى الانتهاء من استهلاك مخزون النفط العراقي أو اكتشاف بديل له، أو للطاقة البترولية بشكل عام. الاتفاقية الأمنية، وإن كانت تعد العراقيين بهونغ كونغ أو سنغافورة أو برلين أو طوكيو أو دبي أخرى، إلا أنها تهدر الشخصية العراقية وتحول البلاد إلى مستعمرة سياسية وثقافية واجتماعية لا تبقي للآخرين فيها ولا تذر.
حقيقة لا تحتاج الإدارة الأميركية إلى الإعلان عن مضيها في الشروع في إيجاد اتفاقية أمنية. الطرف الرسمي العراقي المستقل والسيد على أرضه وشعبه، غير موجود ولو بالحد الأدنى. لقد فقد النصير العراقي للاحتلال الأميركي ماء وجهه مرتين، مرة أمام شعبه ومرة أخرى أمام الاحتلال نفسه.
هنالك عشرات بل مئات القواعد العسكرية المنتشرة حالياً على أرض العراق، ومنها ما يعبر بشكل واضح عن السبب الأساس للغزو والاحتلال الأميركيين. من تلك الأهداف تطويق إيران بسلسلة من القواعد العسكرية من جهتي الخليج العربي والعراق ومن جهة أفغانستان، بهدف حمل النظام السياسي الإيراني على الإذعان للمطالب الغربية من خلال الوكالة الدولية للطاقة النووية. يقول الطرف الأميركي إن تلك القواعد ليست موجهة ضد أحد، وهي في الواقع موجهة ضد نفس الطرف الذي استبشر خيراً بالاحتلال الأميركي في البداية، والآن بعض الشيء!
يواصل الساسة الأميركيون، ومن ورائهم العراقيون الذي يستظلون بالدبابة الأميركية، عقد تماثل بين حالات الاحتلال الأميركي في ألمانيا واليابان وكوريا والفلبين. وهرباً إلى الأمام، يذهب هؤلاء الساسة إلى عقد ذلك التماثل مع بعض دول الخليج العربية التي تستضيف قواعد عسكرية أميركية وترتبط بمعاهدات أمنية مشابهة. ينسى هؤلاء أو يتناسون أن جل شعوب الدول أعلاه لا تقبل على الإطلاق بتواجد أجنبي ينتقص من السيادة الوطنية ولو على شبر واحد من أراضي تلك الدول.
في الحالة العراقية يزداد الأمر سوءاً وعبثيةً، بعدما رأى العراقي أن المحتل الأميركي لا يأبه لحقوق إنسان ولا لمقدسات ولا لخصوصيات ثقافية أو اجتماعية، وعلى نطاق عام وواسع. حتى المنجزات الاقتصادية الوطنية التي تم إحرازها بعد استقلال العراق من تأميم للثروات الطبيعية، قد تم بيعها جملة وتفصيلاً. تم بيع العراق لمجموعة من الشركات الاحتكارية الأجنبية، مقابل رفع مستوى أرصدة حفنة من الوزراء والنواب المنتفعين بهذا الشكل أو ذاك.
بعد أكثر من خمس سنين من الاحتلال الأنجلو ـ أميركي للعراق، يحاول المرء البحث في أزقة وشوارع المدن والقرى ومضارب البادية العراقية، عن أناس لم يتضرّروا من ديمقراطية الاحتلال. في الجوار الإقليمي لا يوجد أشخاص أو مجموعات ممن يمكن أن يُطلق عليهم راضون عن تبعات الاحتلال الأميركي للعراق. حتى الطبقة السياسية المتكونة على هامش الاحتلال في العراق، ضاقت ذرعاً بمطالب الاحتلال المذلة لهم. باتت القيادة العراقية تستخدم الجيش العراقي الذي انبثق بعد الاحتلال، لقمع الشعوب في المدن والبلدات العراقية الرئيسية بصورة خاصة.
هنالك عمليات أمنية مستمرة على قدم وساق وبدعم من الاحتلال، تستهدف العاصمة بغداد وجل المدن العراقية الرئيسية. بدأت العمليات الأمنية بالفلوجة والرمادي والأنبار وكركوك وتلعفر والبصرة والنجف وكربلاء وسامراء والناصرية وهيت وحديثة وديالى وبعقوبة، وتقف الآن عند مدينتي الموصل والعمارة. لم يبق على الحكومة العراقية تحت الاحتلال الأميركي إلا التوجه بجيشها إلى المدن في الدول المجاورة لتنفيذ عمليات أمنية مشابهة فيها!!
بعد كل هذا الذي يحصل من مهازل ودمار وعبث بمصير الأفراد والجماعات وعلى نطاق واسع، فلقد آن الأوان للعراقي أن يصحو. على العراقي أن يوجه سؤالاً لقياداته السياسية والمجتمعية والدينية والفكرية، عن طريقة لتخليصه من هذا المنزلق الخطير البائس الذي وقع فيه. لا سبيل أمام الشعب العراقي لتحقيق حريته واستقلاله واستعادة كرامة نفسه ومجده أمام الآخرين، إلا برحيل آخر جندي للاحتلال الأميركي عن أرض العراق.
العراق بلد خيرات ويضم طاقة بشرية عاملة ذكية بامتياز، لو يُتاح لها المجال ستقوم بإعادة تعمير وهيكلة وتنظيم نفسها بعزة وكرامة دون تلقّي منّة من طرف، خاصة إذا كان ذلك الطرف هو احتلال أذاق البشر مرارة العلقم طيلة خمس سنين ونيّف وعلى مدار الساعة.
جامعة الإمارات العربية المتحدة