لنفترض مع المفترضين أن الولايات المتحدة سيرت قواتها وقوات حلفائها لغزو العراق واحتلاله من أجل ارساء العدل والديمقراطية والحرية والتنمية إلى غير ذلك من أدبيات الدعاية الغربية ، فإن الذي نراه الآن بعد اكثر من خمس سنوات من بدء الغزو هو فشل ذريع في تحقيق أي من هذه المبادئ المعلنة ، وليس هذا الذي نطرحه هو مجرد رأي من عندياتنا ، بل هو فحوى تقرير نشرته مجموعة الازمات الدولية هذا الاسبوع ، والذي طالب المجتمع الدولي بالتحرك لتصحيح أوضاع الشعب العراقي ، خاصة اللاجئين الذين يعانون في الغربة ولا يجرأون على العودة إلى وطنهم الذي تشيع الدعاية الاعلامية كل يوم أن الامن يزداد (انبساطا) والامور تزداد انفراجا ، ثم سرعان ما نرى مشاهد القتل والدمار تتوالى في كل أنحاء العراق وكأن شياطين الانس والجن هي التي تعبث بأمنه فلا يقدر عليها هذا الجيش الاميركي الجرار بكل عديده وعتاده مضافا إليه كل الذين يرتدون الزي العسكري ويسيرون في ركابه ويحملون أسلحته ويتنقلون بمركباته ويتسترون بعباءته لنهب ما تبقى من ثروات الشعب العراقي .
العراق اليوم ما هو إلا عشرات الآلاف ممن ازهقت أرواحهم ومثلهم يقبعون في المعتقلات ، فضلا عن المعاقين والمصابين الذين يعدون بمئات الآلاف ، والنازحين الذين يجتازون بأعدادهم أرقام الملايين ، يتشردون بلا مأوى في بلاد الغربة والضياع بينما يجثو تراب بلدهم على ثلث احتياطي النفط العالمي ، ولو كانوا يملكون شعورا بالامان في العودة لعادوا ، فهم على اتصال مستمر بذويهم داخل العراق ممن لم تتح لهم فرصة الهروب من الجحيم اليومي الذي يعيشونه .
اللاجئون العراقيون في الخارج تتناهى إلى سمعهم كل يوم قصص يشيب لهولها الولدان ، من تدهور في الامن إلى تدهور في سبل العيش والخدمات العامة ، فالعراقي في بلده يخشى الخروج من منزله وان خرج فلا يضمن العودة إليه ، وأن عاد فلا يضمن أن تشرق عليه شمس صباح جديد ، إذا نام على سقف منزله هربا من الحر قصفته المروحيات واذا اقام مناسبة هاجمته الدوريات ، كل هذا وجوقة العزف على وتر الديمقراطية الافتراضية لا تزال قائمة نراها ونسمعها ونقرأها كل يوم .
ولو افترضنا مع المفترضين أن الحالة تحسنت ، فأين اموال النفط والثروات الاخرى ؟ ، ولماذا لم تتحول إلى مساكن ومدارس ومستشفيات وطرق وبنية تحتية لكل سبل العيش ؟ وأين معالم الديمقراطية ؟ ولماذا لا يقبل عليها الشعب العراقي بكامله أو معظمه على الاقل ؟ واذا كان الامن قد استتب فلماذا لا تترك الجيوش الاجنبية العراق للعراقيين ؟ واذا كان الجنود الاميركيون يموتمون من الاهمال والصعق الكهربائي فيكف يكون تواجدهم في العراق مبعث حماية للعراقيين ، بينما يقتتل النواب الاميركيون فيما بينهم لفتح تحقيق في ضياع مليارات الدولارات في الانفاق على (رفاهية) الجنود الاميركيين فاذا بالرفاهية المزعومة تتحول إلى اداة قتل ؟ حتى في أحواض السباحة بالمعسكرات .
هذه هي معالم الفوضى الراهنة في العراق ، وما على العالم إلا أن ينتظر قليلا من الوقت حتى تنفتح الملفات بعد تغير الحكومات والادارات لتظهر الفضائح التي تزكم الانوف ، لكن هل يتعين على العراقيين أن يتحملوا الهوان صامتين إلى الابد بينما الدعاية تحدثهم في الصباح والمساء عن عراق حر وديمقراطي ؟
