أصبح ملف العراق في عهدة الرئيس الأميركي المقبل، حيث نجحت الولايات المتحدة في إفشال الاتفاقية الأمنية التي تحدد وجودها في العراق برفض وضع أي جدولة للانسحاب، هذا الرفض جمد المفاوضات حتى 2009 للسماح لخليفة بوش بالفصل في هذه القضية المتعلقة أساساً بنفط العراق.

وبدلاً من اتفاق شامل لوضع القوات، كان من المفترض التوصل إليه نهاية الشهر الجاري، يعمل المفاوضون على التوصل إلى «وثيقة» انتقالية تغطي شرعية العمليات الأميركية في العراق ما بعد انتهاء تفويض الأمم المتحدة نهاية العام الجاري.

إن فشل المفاوضات حول الاتفاق الأمني الشامل، وإن كانت متعلقة برفض العراقيين للشروط الأميركية إلى جانب تعقيدات تفصيلات المهام في الاتفاق الشامل، يعود بشكل أساسي إلى تصلب الموقف الأميركي تجاه رفع الحصانات القانونية عن قواتهم المحتلة والمتعاقدين الأجانب وإجبارهم على احترام السيادة العراقية الكاملة، رغبة في احتلال أبدي للعراق والاستفادة من ثرواته الطبيعية. فالاتفاق أبعد من أن يكون ملزماً للإدارة الأميركية المقبلة.

فإذا كان بمقدور أي من الطرفين الانسحاب من الاتفاق بموجب إخطار مدته عام أو عامان فهو لن يكون مقيداً لأيدي الرئيس الآتي إلى البيت الأبيض.

حقيقة إن الاعتراضات الرسمية والشعبية العراقية على مشروع الاتفاقية الأمنية طويلة الأمد أدت إلى صحوة قانونية وتطور جديد في المفهوم السياسي العراقي يقضي بجعل مسألة السيادة الكاملة حجر الأساس سواء لجهة إلغاء الاتفاقية الأمنية واستبدالها بجدولة الانسحاب الأميركي أو احتمال التمديد المشروط للتفويض الأممي للقوات متعددة الجنسيات.

فالسيادة العراقية في خطر، ما دام هناك بند واحد ينتهكها، والعراق بفعل الوجود العسكري الأميركي تحول إلى دولة منزوعة السيادة، أضف إلى ذلك أن الشعب العراقي يعتقد أن مذكرة التفاهم المقترحة كبديل عن الاتفاقية الأمنية مرفوضة أيضاً، لأنها الوجه الآخر للاتفاقية الأمنية، وهي تتضمن حصانات للقوات الأميركية وجدولا زمنيا غامضا وغير واقعي للانسحاب الأميركي من العراق لا يحدد موعداً واضحاً وملزماً ولا يتضمن تصديق البرلمان العراقي. الجدولة الحقيقية للانسحاب أفضل الحلول للمشكلة العراقية.

وهي صيغة تحقق قبول الشعبين الأميركي والعراقي رغم رفض صقور البيت الأبيض ذلك، كما أن جدولة الانسحاب الواضحة الملزمة تلقى قبولا واسعا في أوساط الشعب العراقي لكن ضمن شروط وطنية واضحة ملزمة لا يمكن للجانب الأميركي أن يتهرب من تنفيذها بدعوى اضطراب الوضع العراقي الأمني أو الوضع في الميدان.

فتشبث العراقيين بسيادتهم وتظلماتهم من الهيمنة الغربية سيجعل وجوداً أميركيا طويل المدى في العراق مصدراً للعنف، وليس الاستقرار، فإذا كان هناك ثمة جدول زمني واضح للانسحاب، فإن الفصائل المتناحرة ستفقد الكثير من الأسباب والمبررات لمهاجمة بعضها البعض والقوات الأميركية، ويتم بذلك تحضير الأجواء لتحقيق التوافق حول عراق حر ديمقراطي.