في الوقت الذي تشهد فيه الجبهات الغربية المطلة على حوض البحر المتوسط (السورية واللبنانية والفلسطينية) صيفاً يبدو (هادئاً) على إثر التسويات التي تحققت، نجد أنه على الضفة الأخرى الشرقية والمطلة على الخليج، هناك مشهد آخر ينذر بصيف »ساخن« و»متوتر«. نجد سماوات الخليج ومياهه مشحونة بالمناورات العسكرية للقوات البحرية الأميركية والبريطانية، تقابلها مناورات بحرية إيرانية وإطلاق لصواريخ إيرانية جديدة بعيدة المدى.
إيران تهدد بحرق تل أبيب والأسطول الأميركي في الخليج، ونجاد يهدد بمحو إسرائيل من على الخريطة، وإسرائيل تهدد بــ »تدمير الأمة الإيرانية«.. وهكذا تتصاعد التهديدات وتتوتر الأجواء وتتجمع سحب سوداء منذرة في أفق المنطقة ويزداد القلق، والخليجيون يتوجسون ويضعون أياديهم على قلوبهم وهم حائرون بين خطرين: خطر الضربة العسكرية لإيران وتداعياتها على المنطقة، وخطر تملك إيران للنووي والذي من شأنه تغيير معادلات توازنات القوى في الخليج وخضوعه لإملاءات حكام طهران الذين يطمحون للقيام بدور »شرطي الخليج«، بعد أن نجحوا في التمدد في العمق العربي.
كل الدلائل والمؤشرات تؤكد مضي إيران قدماً في مشروعها الذي يمثل حلماً »قومياً«، وهي اليوم في ظل حكومة نجاد أكثر تصميماً على الحصول على السلاح النووي ومهما كانت العقبات والتضحيات، وقد أخذ نجاد على نفسه عهداً بأن يحول إيران إلى دولة »نووية« وكثيرون في إيران يشاطرونه الرأي.
ولا أكون مبالغاً إذا قلت أن قضية »النووي« أصبحت اليوم قضية »قومية« ومن لوازم العزة والكبرياء الإيرانية التاريخية، بحيث أصبح من يتخاذل عنها أو يساوم عليها متهاوناً في حق وطنه. في المقابل يبدو المجتمع الدولي.
وبالأخص إسرائيل وأميركا، مصمماً على منع إيران من تحقيق حلمها النووي، عبر سلسلة العقوبات الاقتصادية والتجارية وتشديد الحصار والعزلة عليها، وقد كان آخر تطورات الموقف المتأزم أن الدول (5+1) عرضت على إيران »سلة« من الحوافز الاقتصادية والتجارية والأمنية، شملت أكثر من 30 حافزاً كجائزة أو مكافأة لإيران في مقابل وقف تخصيب اليورانيوم، لكن الرد الإيراني كان غير مشجع أو بحسب التعبير الدبلوماسي »صعباً ومعقداً«.
ولم تكتف إيران بهذا الرد غير الإيجابي، بل هددت بإغلاق مضيق هرمز إذا تعرضت لعدوان، كتحد للمجتمع الدولي. ويبدو أن الغربيين ما زالوا متشبثين بأمل وإن بدا ضعيفاً، في حلحلة التصلب الإيراني، ولذلك قرروا إرسال سولانا في »مهمة أخيرة« إلى إيران، قبل أن يتخذوا قرارهم النهائي بفرض عقوبات جديدة على إيران.
هذه الأجواء المتوترة تذكرنا بالأجواء التي سبقت حرب تحرير الكويت، ومهمة سولانا تذكرنا بمهمة بيكر وزير الخارجية الأميركي الأسبق، عندما التقى نظيره العراقي طارق عزيز عام 1990 كمحاولة أخيرة لتفادي الحرب. فهل ينجح سولانا في مهمته؟ وهل تحصل الانفراجة المأمولة؟ وهل ستتغلب سياسة »العقلانية« و»الواقعية« ولغة »المصالح« على سياسات »المغامرة« و»المقامرة« والاعتبارات »الأيديولوجية« واللغة »الثورية«؟
كلنا ترقب ودعاء وأمل في أن يلهم الله قادة إيران من الصواب والحكمة ما يجنب المنطقة وشعوبها ويلات حرب كارثية، لكن ماذا لو تحققت أسوأ مخاوفنا ولم تنجح المهمة وركبت إيران رأسها وصعدت؟ ترى ما هو مستقبل هذه المنطقة؟ وهل يشهد الخليج حرباً رابعة؟ وهل تنفذ إيران تهديدها بغلق هرمز (الشريان الحيوي للعالم) والذي تعبره 30 ناقلة يومياً تحمل 17 مليون برميل، تمثل من 40 – 50 في المئة من تجارة النفط الدولية؟
كل هذه الأسئلة مطروحة، والسيناريوهات المحتملة عديدة، هناك من يؤكد أن الضربة العسكرية للمفاعلات الإيرانية آتية عن طريق أكثر من 100 مقاتلة حربية إسرائيلية، أجرت مؤخراً مناورات جوية فوق المتوسط كتدريب عملي على قصف محتمل لمنشآت نووية إيرانية.
يؤكد الدكتور سامي الفرج (رئيس مركز الكويت للدراسات الاستراتيجية) أن المواجهات في المنطقة آتية وستكون خارج نطاق التغطية التحليلية العربية، وقال في حوار مع صحيفة »السياسة« الكويتية (مارس 2008): إن الضربة الإسرائيلية ستكون بمثابة مظلة تمتد لتظلل على دول الخليج، من دون أي طلب منها أو بذل أي جهد أو تقديم معونة، وبذلك ترفع الحرج عن دول الخليج.
لكن في مقابل هذا السيناريو المتشائم، هناك أكثرية خليجية متفائلة ترى أن ما يحدث في الساحة مجرد »حرب نفسية وإعلامية«، وأن احتمالات الحرب »ضعيفة«. يقول الأكاديمي الكويتي د. عبد الرضا أسيري: إن ظروف المنطقة غير مؤهلة لحرب، خصوصاً أن الجغرافيا والأهداف تختلف كثيراً عن الحروب في أفغانستان والعراق والكويت.
ويستند هذا الفريق إلى جملة من المبررات منها: أن إيران تملك أوراقاً مهمة في المنطقة يمكن أن تؤذي الأميركيين في حالة الضربة العسكرية، كما أن القوات الأميركية أصبحت مثقلة ومنهكة في العراق وأفغانستان، و(بوش) في آخر شهوره في البيت الأبيض ويستبعد أن يقدم على مغامرة، كما لا ننسى أن المنطقة تتحكم في الوقود الحيوي للعالم، وأية ضربة ستشغل اقتصادات العالم وتضيف أعباء ضخمة على المستهلكين.
أتفق مع المستبعدين لقرار الحرب، لا مع مبرراتهم الواهمة لأنها لا تصد أميركا إذا اضطرت للحرب، بل مراهنة على أن إيران ـــ اليوم ـــ وبعد (3) عقود من الثورة، دولة مؤسسات لا يتحكم فيها فرد مغامر كما هو الحال في بعض الأنظمة العربية، وحكام إيران ـــ اليوم ــــ أصبحوا على درجة من »الواقعية« تجعلهم يجنبون بلادهم ويلات الحرب، لأنها إذا وقعت فهم الأخسرون حتماً، إذ سيفقدون السلطة .
ويتغير النظام السياسي لصالح خصومهم، ولذلك أتصور أنهم حين يجتمعون بـ (سولانا) فان منطق »السلطة« سيعلو منطق »الأيديولوجيا«، وأولويات »المصالح« ستتقدم على ضرورات »النضال«، وتمّنع إيران من قبول سلة »الجوائز« الغربية ـــ اليوم ـــ ما هو إلا تكتيك مرحلي من أجل حصولها على الضمانات الكافية.
حكام إيران وإن رفعوا شعارات »الموت للشيطان الأكبر«، فإنهم يدركون أن شعبهم مولع بالمنتجات والثقافة الأميركية، وأن 75% منهم مع التطبيع مع أميركا، وهم إذ يعانون من أوضاع صعبة فإنهم يتطلعون إلى حياة أفضل كما الخليجيين على الضفة الأخرى، ولذلك لا أتصور أن يتخذوا قراراً بالتصعيد فيزيدوا أوضاع شعوبهم سوءاً.
دعونا نأمل للمنطقة غداً أكثر إشراقاً، واقتصاداً أقوى نمواً، وأسواقاً أكثر ازدهاراً، فضرب إيران لن يحدث.
كاتب قطري