تمر التجربة الديمقراطية الموريتانية، التي أصبحت عنوانا لديمقراطية العسكريين المانحين السلطة طواعية لديمقراطية المدنيين، باختبار جديد بعد الأزمة السياسية العاصفة والأولى من نوعها في التاريخ السياسي لموريتانيا، حيث أسقطت غالبية الأغلبية الحاكمة حكومة الأغلبية الحاكمة بالاستقالة، قبل التصويت على حجب الثقة عنها، رغم الدعم القوي من رئيس الجمهورية للحكومة، وتحذيره من الإقدام على هذا الإجراء وتهديده بحل البرلمان، مما شكل سابقة جديدة بتساؤلات عديدة.
بعض التساؤلات التي أثارتها الأزمة السياسية العاصفة التي شهدتها موريتانيا الأسبوع الماضي، وبدأت بتقدم غالبية نواب البرلمان من الموالاة والمعارضة معا كل لأسبابه، لحجب الثقة عن الحكومة الجديدة المؤلفة من عدة أحزاب برئاسة الحزب الحاكم «عادل»، والتي ضمت وزراء من أحزاب الموالاة والمعارضة معا.. برغم عمرها القصير الذي لم يتعد الخمسين يوما! وقبل التقدم ببرنامجها الحكومي للبرلمان!!
فكيف يمكن وصف ما حدث أخيرا في ظل السجال الجاري بين بعض المدنيين المعارضين من خارج الائتلاف الحاكم، والمدنيين المؤتلفين الذين أخرجوا من الحكومة الإسلاميين واليساريين بحجة عدم تأييدهم للرئيس الحالي في انتخابات الرئاسة ومساندتهم لأحمد ولد داداه الحائز على أكثر من 47% والذي رفض دخول الائتلاف الحكومي.. وبين المدنيين والعسكريين المتهمين بالوقوف وراء الأزمة لأهداف أخرى تختلف عن المعلنة؟
ففي حين يراه البعض إيجابيا في كل الأحوال، حيث يبدو إعادة صياغة للعلاقة بين السلطة التشريعية الممثلة في البرلمان والسلطة التنفيذية الممثلة في الحكومة، لصالح البرلمان، وهذا في حد ذاته ومهما كانت درجة صوابيته أو خطئه يمثل سابقة عربية موريتانية تلحق بالسابقة الكويتية، بما يمثل تأكيدا لقوة التجربة الديمقراطية الموريتانية.. يرى آخرون أن وراءها من الصراعات وتضارب المصالح والارتباك السياسي داخل المؤسسات القيادية، ما يدل على وجود فراغ سياسي وثغرات موضوعية وشلل في الأعماق!
وفي حين يتحدث البعض عن مؤشرات على نكسات سياسية واقتصادية وأمنية وأخلاقية في التجربة المدنية.. يتهم البعض عسكريين بالوقوف وراء الأزمة لإضعاف موقف الرئاسة الحالية، تمهيدا لإسقاطها وعودة الحكم العسكري مرة أخرى، بما يشير إلى وجود خلل جوهري في بنيان هذه التجربة الديمقراطية بصياغتها العسكرية وتطبيقاتها المدنية، وإلى ضعف عام في أدائها.
هل يمكن وصفه إذاً بأنه أول انقلاب سياسي؟.. أم كما يرى البعض أنه إعداد لثالث انقلاب عسكري؟.. وهل ستنتهي الأزمة بإعادة تشكيل الحكومة بعد التعديل بما يلائم أغلبية الأغلبية على حساب الإسلاميين واليساريين؟..
أم سيقود السجال السياسي الحالي بين المعارضة وأحزاب الحكومة إلى صراع سياسي، لن ينتهي إلا بالتغيير الأكبر باستقالة رئيس الجمهورية لا رئيس الحكومة؟.. أم ستؤول الأمور إلى صراع من نوع آخر، بين العسكر المانحين والمدنيين المستخلفين سينتهي لصالح أحد الفريقين؟
الظواهر العامة توحي بأن الأزمة السياسية الحالية لن تقف عند موضوع تعيين حكومة يحيى ولد أحمد الوقف رئيس حزب عادل، ثم استقالتها وتعديلها وإعادة تشكيلها برئاسة نفس الرئيس السابق، بعد إخراج ممثلي حزب «تواصل» الإسلامي وحزب «التقدم» اليساري منها، تحت ضغط التمرد البرلماني لأغلبية الأغلبية...
وتطورات التجربة الديمقراطية في الشهور القادمة هي التي ستحكم لها أو عليها.